هنا منطقة محظورة، يمنع استعمال الأدوات المرتبة بعناية وتأنٍ، لأن أمي تفاخر بها كما جميع النساء في حينه ، هذا “المتحف” كبرتُ على مشاهدته وكنتُ شاهدة على القطع الجديدة المضافة إليه كلما سافرت أمي إلى المدينة أو طرأ في بيتنا حدث أو مناسبة سعيدة فكانت أمي تعتني بالهدايا وتمسح الزجاج بعد استخراجه من ” الباكيت” الكرتوني وترتبه في مكان جديد على رفوف هذا المزنون” . هو مزيون هذا المزنون ..تفرش أمي مطرٌزاتها البيضاء المتقنة لتتباهى بمهارتها في التطريز والحياكة وفن رسم الورد والعصافير قبل التطريز، كنت بارعة …”ايدين بتشتغل شو ما شافت العين ” وتضيف بتحسٌُر: مش عارفة ليش بناتي مش طالعات مثلي معدٌَلات .. ونتضاحك بيننا ونتفحص الفناجين المطلية بطبقة صفراء لامعة كماء الذهب ، متى سنشرب الشاي في هذه الفناجين المصونة !! ويتحقق حلمنا مرة أو اثنتين في العام حين يزورنا ضيوف من أقاربنا في لبنان أو يزورنا احد المعارف من خارج القرية ، فتستمتع أمي بعرض الفناجين لتقدم الشاي فيها إلى جانب “السكرية ” يعني علبة السكر ، ليس للإتيكيت أو ليضع الضيف السكر الذي يريد إنما لتتناول أمي ملعقة الشاي الصغيرة وتغرف السكر على مهل أمام الضيوف،وقبل انصرافهم، وريثما نقوم بغسل الفناجين كنا نستمتع بشرب الشاي فيها، نجلس على مهل نرتشف رشفة واحدة ونضع الفنجان على صحنه! ولا ننس أن نتامله مرارا بإعجاب وفخر ، حتى جلستنا تختلف وطريقة حديثنا تتغير الى ألطف وأهدأ ونحن نستعمل هذه الفناجين الجميلة! ، وما تلبث أمي أن تجففها بفوطة نظيفة وترتب كل فنجان على صحنه لتعيدها إلى قواعدها سالمة على منصة المزنون، حين بدأت كتابة ذكرياتي مع هذا المزنون ومثله “النملية ” في المطبخ وهي مخصصة لخزن المخللات ، والجبن واللبنة المزقلطة المغطسة في الزيت والجبنة البيضاء المقطعة باتقان يُغري بتناولها من الوعاء الزجاجي ، المرتبان ، لكنها أغذية مخزٌنة وممنوع استهلاكها بسرعة فهي مؤن الشتاء ، أما الزيتون فهو من الأصناف المقدمة بكرمٍ ( نظرا لكثرته ) ورُب البندورة الذي تعصره أمي وتنشره على سطح البيت مغطى بشاشة بيضاء مخرمة لتمنع الحشرات من السقوط فيه ، كانت مهمتنا اليومية الصعود إلى السطح بضع مرات لتحريك رب البندورة لأسبوع أو أكثر حتى يجف الماء ويغدو سميكا صالحا للدهن في الأرغفة وتناوله وجبة (سناك ) ريثما يوضع طعام الغداء وكثيرا ما أخذنا منه زوادة أيام المدرسة .
ونعود إلى المنطقة المرعيٌة بدقة فتنظيف هذا المزنون المتحف يتم قبل الأعياد ليكون برٌاقا زاهي المقتنيات ، نضع وعاء فيه ماء وصابون الجَلي وإلى جانبه وعاء ماء نظيف لشطف الأواني من كؤوس مستطيلة وأباريق بلون الكؤوس كل دزينة على حدة، نتامل المكحلة النحاسية ونختلس منها كحلة خفيفة حين اختفاء أمنا، نتفحص الصحون الواسعة وعليها صورة عريس وعروس من مصنع نعمان الذي لا يُعلى على زجاجه! أمي تراقب بقلق تسرعنا في غسل القطع الرقيقة مصنوعة من زجاج لامع ، قطة، ودب وحيوانات أخرى لا تكاد تملأ الكفين لكن أمي تصٌِر أنها كريستال ثمين ، وأجمل ما نستخرجه من الرف السفلي المقفل تلك العلبة المصنوعة من الصدف ، تدمع عيناها وهي تردد : هذه هدية من إبن أختي الذي توفي شابا ..يا حسرتي على شبابه ، وتخرج تاركة معرضها الجميل لتتذكر أكثر من شاب توفاهم الله في عائلتها وأهمهم ألأخ الوحيد الذي ترك لها مسبحة كهرمان تضيء خرزاتها في الظلام ، وتعلقها في الواجهة الصغيرة للمزنون وتحرص على إبرازها لتشرح عنها كلما حكت لصديقاتها عن المقتنيات: انظري هذه مسبحة أخي الله يرحمه ويرحم أمواتك ليختنق صوتها وتشاركها الصديقة ذكرى الأخ الشاب المتوفى لا فِرِح ولا اتهنٌى . لم يتزوج ولم يبق من ذكراه ولد يحمل اسمه .
مزنون أمي بقي منطقة محظورة لسنوات طالت أكثر من ربع قرن حتى تزوج أخي الأصغر فتم تقليل الأثاث ليلائم منزلها الجديد الصغير غرفة نوم وغرفة الجلوس اليومية وحمامات ومطبخ … المقتنيات والأثاث لم يُنقل منه سوى الأهم ، واحتفظت بأهم قطع فيه وما لبثت الفناجين المذهبة والصحون وكاسات المكسرات أن توزعت على اخوتي وأخواتي وبالطبع تم التخلص من قطع كثيرة باتت قديمة وكالحة وتغيٌَر “موديلها “.
غضبت أمي لفقدان بعض الأغراض لكنها استسلمت أخيرا وما لبثت أن نسيت او تناست للمحافظة على الأجواء السلمية معنا كفريق تعزيل وترتيب . واليوم .. ليس لدي مزنون مثل مزنون أمي لكن لديٌ الكثير من الأشياء والهدايا والصور والكؤوس التي أرفض التخلي عنها مهما كان العراك شديدا مع بناتي، يتجدد الزعل كلما قاموا بتنظيف المنزل وترتيبه وتكون حفلة صاخبة من السخرية أولا ثم عنادي وتمسُكي بأشيائي !!
لكل منا تبقى منطقة محظورة يحبها ويحرسها ولا يتنازل عنها .
- مساحة شخصية
- التعليقات
