جلس وحيد في غرفته يتأمل جدران غرفته المزدانة بذكرياته منذ الطفولة حتي الآن؛ فهناك شهادة تقدير حصل عليها في الابتدائية وبجوارها صورة جماعية في يوم تخرجه هو ودفعته بالكلية، وعلى الجانب الآخر صورة زفافه وصورة تجمعه بأولاده، وأمامه شاشة الكمبيوتر المحمول تعرض أحد الأفلام التي يسرى بها عن نفسه ويستعين بها على قتل وقت فراغه في صحراء غربته القاحلة التي لا زرع فيها ولا ماء ولا أهل ولا أصدقاء . قرر أن ينزل يمشي في الشوارع عله يجد من يؤنس وحدته، بينما هو في الممشى السياحي ( في بلدة عمله بالخليج ) . وجد شابين جالسين على أريكة من الفسيفساء فجلس بجوارهما، سمعهما يتناقشان في موضوع ومختلفين في وجهتي نظرهما، فقرر التدخل في الحديث بعدما عرفهما عن نفسه . (وحيد المسيري) مدير شركة اليكترونيك للأجهزة الالكترونية، وبعد ذلك عرض عليهما بالقيام معه برحلة سفاري بسيارته الخاصة في عطلة نهاية الاسبوع والليلة ليلة الجمعة فبعد تشاور لم يطل كثيرا وافقا . واتجه ثلاثتهما إلى أقرب متجر لشراء احتياجات الرحلة من مؤن وعتاد ودفع وحيد الحساب من بطاقته البنكية المكتظة بالأموال، اتجه بهما جنوبا وخرج عن الطريق الممهد وتوغل بهما في الصحراء وأخذ ينظر لهما بعد ان ظهر عليهما بعض من التوتر والقلق؛ بادرهما بالسؤال لما قلقكما وانتما اثنين وأنا وحيد وضحك أقصد وحيد الصفة وليس الإسم؛ فعلا أنا وحيد رغم كثرة معارفي وأقاربي ولكني وحيد وسوف تتأكدان من ذلك بعد انتهاء الرحلة، طلب منهما غلق الهواتف النقالة ؛ونزع البطاريات ووضعهما في حقائبهما اليدوية حتي تتم التجربة بنجاح؛ فسألاه في نفس الوقت أي تجربة ؟ قال تجربة الزهايمر وقهقه ضاحكا . بعد سويعات قليلة بزغ ضوء النهار وارتاحت أساريرهما قليلا بعدما شدت ظلمة الليل أعصابهما وكيف استطاع وحيد أن يقنعهما أن يصطحباه في تلك الرحلة الغريبة، كأنه سحرهما بكلامه عن جمال الصحراء وعيشة الترحال وأحبا ان يجرباها، ترجلا من السيارة بعد أن وصلوا جميعا نقطة التخييم، نزل وحيد يتقدمهما وفتح حقيبة السيارة وأنزلوا أغراضهما وتعاونوا في إقامة الخيمة التي سوف يجلسون بها، وجلسوا يتجاذبون أطراف الحديث، كل يحكي عن مشكلته مع الحياة، تحدث علي أولا
وقال أنا معضلتي في خطيبتي منذ أن سافرت بعد خطبتي لها لجمع الاموال لأتمكن من تجهيز مسكن الزوجية وهي لا تمل من الاتصال بي في اليوم عشرون مرة إما عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر الخطوط التليفونية حتي أصبحت مملة بالنسبة لي وأصبحت لا أجيب على رسائلها من كثرة السؤال عني وعن أحوالي هل تناولت وجبة الأفطار؟ هل تناولت الغذاء؟ هل رتبت سريرك؟ غسلت أدوات الطهي … حاصرتني باهتمامها بتفاصيل حياتي حتى عدت مخنوقا من تصرفاتها؛ وهي تلك مشكلتي رغم حبي لها إلا أنها أصبحت كائن لا يطاق .. قهقهة عزت صديقه؛ أنت مشكلتك أهون مليون مرة من مشكلتي فأنا لا أقارب لدى أبي وأمي توفاهما الله وأنا في الصف الثاني الاعدادي . وأخواتي كل مشغول ببيته وأولاده وخالاتي وعماتي أيضا متوفيين ولا يوجد من يتذكرني أو يسأل علي إلا في الأعياد اذا تذكروا أن لهم قريب ابتلعته بحور الغربة؛ وهي تلك مشكلتي أشعر أنني مقطوع من شجرة وأشعر بالوحدة المملة . بعد قليل نهضوا لصلاة الجمعة جماعة يؤمهما وحيد بعد أن خطب فيهما خطبة قصيرة عن الرضا والقناعة، جهزوا وجبة الغذاء وارتاحوا قليلا وبعد غروب الشمس تجهزوا للسهر والسمر والاستماع لقصة وحيد، ولما جاء بهما إلى هذا المكان الموحش ولما طلب منهما غلق هواتفهما.. نظر إليهما وحيد وبدأ حديثه من أعماق قلبه كأنه يسحب الذكريات المؤلمة من أعماق بئر سحيق؛ كان لي والدان يعشقانني ويدللاني وتزوجت وأصبحت لي أسرة جميلة وسافرت لأوفر لهم رغد العيش، توفى والدي وأنا على سفر ولم أحضر جنازتهما وما زلت أجمع الأموال لأغدق بها علي زوجتي وأولادي وأنا في خضم المعركة مع الحياة، كبر أبنائي وأنا بعيد عنهم جسديا وعاطفيا ومعنويا وتعودوا على الأموال الكثيرة دون مشقة وانعدمت مشاعرهم تجاهي ونسوا أو تناسوا ان لهم أب باع شبابه وصحته من أجلهم وأن بعده عنهم قهري بل من أجل أن يتمتعوا بملذات الحياة دون منغصات، حتي أصبحت اشحذ منهم الاهتمام أو السؤال عن صحتي وهل أنا مبسوط في الغربة أم لا، فكلهم تعودوا على العيش بدوني وأقصد بدون جسدي ولكن لم يتعودوا العيش بدون أموالي فكل أول شهر لا ينسوا أن يذكروني بالمصروف الشهري، هذا هو الاتصال الشهري الوحيد الذي أفوز به لسماع أصواتهم . في خضم حديثه لم ينتبه أن دموعه غالبته وسالت على وجنتيه وسقطت على لحيته وهو يجتر الحديث من أعماق ذاته ونسي أن صديقاه معه فهو متعود أن يأتي إلى هنا كل حين يبث الصحراء أحزانه ويتذكر أيامه الجميلة قبل أن يصيبه الزهايمر وينسى عمره في متاهة الحياة . جمعوا أغراضهم ورجعوا إلى حيث المدينة .نظر وحيد اليهما ليخبرهما ان الرحلة قد أنتهت ؛ ولكنه لم يجد أحد معه في السيارة . وحينها افاق من غفوته وعلم ان علي وعزت ما هم الا مراحل من حياته قد مرت عليه قبل ان يصل لتلك النقطة في حياته . وتعود أن يصحبهما علي فترات متقطعة ليعيش الذكريات بينهم في مكان هادئ بعيد عن الناس عله يجد راحته النفسية معهم .
- مسافات
- التعليقات