عندما كنت طفلا، أدركت أن كل البالونات لا تُنفخ من ذات المكان، أدركتُ أن الطريق الذي يقلني للمدرسة له فرع آخر تُجاه المغرب، أيقنت أن حياتي مثل كومة تراب يأتي النمل متسللا ويحيله إلى غبار يتبعثر على وجه الحياة، كنت أبحث عن أرجوحة بعدما حرمتُ منها طيلة سنة كاملة، فقد اعتديت على أرجوحة ابنة مدير المؤسسة وكان جسمي ممتلئا فانقطع الحبل وانهمرت دموع الطفلة الشقراء، فقزت من سور الحديقة قبل أن أفعل قطفت الورود الحمراء والبيضاء وبعثرتها على الأرض وضحكت مقهقها شامتا ، لقد كرهتني الطفلة كما تُكره الموت، كنت ناقما على كل الطفلات اللواتي يشبهن الدمى، أذكر أنني في المدرسة ذاتها قد ضربت إحداهن بالكرة، وفي مرة سحبتُ واحدة من شعرها الأصفر، كان صوتها عاليا، صرخت بقوة فانهمرت المدرسة بمن فيها نحوي، وفي نهاية العام وقبل موعد الامتحانات تم فصلي من المدرسة، فأخذتني أمي من يدي لا أدري إلى أين ؟؟ !! فجأة وجدت نفسي أمام رجل طويل القامة بلحية خفيفة لا ينظر في وجهي .. وكان إلى جانبه صبي أسمر بدين غاضب دونما سبب!! أذكر أني تمتمت قليلا وتلعثمت في إحدى الآيات الكريمة، فسحبني البصير… هكذا كانوا ينادونه الشاب البصير، سحبني من ساقي وأكمل المهمة مارد المسجد… أخذني بعنفوانه وطرحني أرضا وظللت أصرخ دون جدوى، أذكرُ أنني زحفت نحو البيت ومنذ ذلك الحين أقسمت على ألا أذهب إلى أي مكان آخر ولا أرى فتيات شقراوات ..ولا ذلك الشاب البصير الذي جعل ماردا أسود اللون يفرم أجسادنا دون أن يرف له جفن.. نمت أياما وسنوات طوالا، ثم وجدت نفسي قد أصبحت طويلا.. مفتول العضلات، كأني خرجت من طود… وكنت آراهم يلاحقون بعضهم في الطريق العام(صبية صغار، ومعهم طفلات شقراوات) رأيت نفسي قد دخلت فصل المدرسة، فوقف لي الأطفال تحية، كان طفل منبوذ في أقصى الصف، تبدو على ملامحه علامات التنمر ، خِلت نفسي أنني سألتفت إلى الممر المقابل .. لا أذكر جيدا أني سهوت قليلا … إذ بطفلة بيضاء شعرها ناعم أشقر.. صرخت بملء فيها.. توجهت نحوها ما بك؟ أشارت بأناملها الصغيرة نحوه … كانت يده اليمنى فيها شيء من بعض شعر الطفلة الشقراء..كان غاضبا… حانقا… ثيابه مهترئة.. وحقيبته ممزقة.. جاف اليدين ..أسمر البشرة… يتنفس بسرعة… لا يحمل في حقيبته سوى قلم صغير ودفتر امتلأ بوجوه كبيرة وصغيرة وعلامات كأنها اعتراض على أمر ما… سألته عن اسمه فلم يجب!! سألته عن بيته فلم يجب.. سألته إن كان يحب الطفلات الشقراوات فهز رأسه بالرفض.. ابتسمت … رفع رأسه حدق في وجهي … ابتسم عن فم قد سقطت أسنانه الأمامية، دعوته للعودة معي للبيت .. لملم أشياءه، وضع حقيبته القديمة على كتفيه النحيلتين ..ومضى..أردت أن أجده ..غاب بين المفترقات ولم يعد!
- مسرحية الإوزة الصفراء
- التعليقات