..أخذتني زوبعة دوار.كدت أسقط عن الكرسي. مسكت رأسي بكلتا يدي، وبلعت صرخة كانت تندفع داخلي كنوبة غثيان مفاجئة! فصاح في وجهي مسؤول اللجنة:
-إملأْ..!
بحلقت في الإستمارة أمامي، في المسؤول وهو يرد على الهاتف، قائلا:(نعم سيدي، إنه على رأس اللائحة!) ، وضعت القلم بين أصابعي، وتململت كمن يود النهوض، فزمجر في وجهي ثانية:
– إملأ يا….!
لم أستطع تحديد أي شتيمة سحب، في آخر لحظة، من رأس لسانه، لكن رائحتها كانت قد فاحت من فمه! إختلط الأمر علي، وماعدت أعرف هل أنا أمام مسؤول في لجنة مسابقة، أم أمام مسؤول في قسم أمني؟ فنظرة الإتهام الباردة نفسها، وإن اختلفت العيون. وسرتْ في كياني قشعريرة الخوف نفسه، الذي يداهمني في قسم أمني، وندمت على مشاركتي في تلك المسابقة!
قرأت في الإستمارة:
-ماهو فريقك المفضل؟
نظرت باستغراب إلى المسؤول، واستفهت منه:
-أي فرق سيدي! ؟الفرق المسرحية، أم…! ؟
– لالالا.. فريقك الكروي.. بمعنى ريالي أو برصاوي مثلا! واسحب استغرابك الأبله ذاك، من عينيك الكسولتين، وإلا اسحب أوراقك واغرب عن وجهي، فرأسي لايحتمل حتى طنين ذبابة!
سحب سبابته الرعناء من وجهي، أغلق فمه الجاف، خبط الباب وراءه، وخرج!
قرأت ثانية في الإستمارة:
– …..لاعبك المفضل!؟
– …..أغنيتك المفضلة؟
-……ممثلك المفضل؟
ثم قفزت سطورا:
-…..أكلتك المفضلة؟
-…..يومك المفضل؟
وبعد ذلك قرأت:
-…..يدك المفضلة؟
-…..حذاؤك المفضل؟
-…..برنامجك التلفزيوني المفضل؟
قرفتً. كدت أبصق على الإستمارة. لكن، في الأخير، رحت أكتب الأجوبة خبط عشواء، واليأس لسان مُرّ يتدلى من فم روحي المفغور! سقطت نظرتي، كحطام، على النص المسرحي، الذي قضيت ليالي طويلة في كتابته، وكنت على ثقة أنه يستحق التقدير والتنويه، ولِم الفوز بإحدى الجوائز! لهذا تكبدت العناء المادي للسفر إلى المدينة، للمشاركة في المسابقة، علها تكون المدخل لتحقيق طموحي المسرحي. لكن النص المسرحي آخر شيء يهتمون به، وغالبا لاينظرون إليه بالمرة! لهذا رأيتهم، وأنا أتدحرج في الصف إلى درجاته الأخيرة، ينظرون إلى الوجوه وأرقام الهواتف، ولم أكن حاملا لوجه معروف أو بطاقة توصية. فقط نصا أعزل، كان مبعث فرح حقيقي في نفسي، وهاهو يتحول إلى مصدر إحباط أسود غامر، أمام استمارة عابثة، وضعتها داخل ملف، بعد أن ملأتها، وتوجهت إلى المكتب المجاور.!
سلمت الملف لسيدة أنيقة، كانت منشغلة بهاتفها الذكي. ألقتْ به، بطريقة توحي أنه سيأخذ دوره إلى سلة المهملات، بعد حين. ثم نظرتْ إلي بعينين كأنهما تطلان من داخل وصلة إشهارية، وقالت ببرود وفتور:
-إذهب إلى المكتب المجاور!
ولما دخلته، نهض رجل عن كرسي المكتب، ودار حولي كما في حلبة مصارعة، ثم أخذ شريطا مرقما، وراح يقيس طولي وعرضي، وهو يدندن لامباليا، بعد أن قاس استدارة رأسي وطول أصابعي، وحين انتهى من تدوين الأرقام، خاطبني آمرا:
– إبتسم..
إستغربت، وابتسمت من حيث لاأدري!
– قهقه..
تململتُ في مكاني، ونظرت الى الباب، فصاح بي حانقا:
– نعم، قهقه.. هكذا: هق هاق هق هاق!
وراح يقهقه كالمجنون، ثم صرخ بصوت أعلى وأقوى:
– قهقه، أو دع الباب يقهقه وراءك!
فقهقهت، وتردد صوتي، في أذني، كنقيق ضفدع جف عنه الماء!
– أصرخ..
صرختُ.
-إبكي..
بكيتُ.
– إغضب..
لم أعرف كيف أغضب. ترددت في حيرة، فقال بهدوء:
– جيد!
ثم سألني بنظرة متفرسة وماكرة:
– ماهو الفن المسرحي؟
– الفن.. الفن رسالة…
لم يتركني أكمل. صاح: يكفي، وأخذ مظروف رسالة، كتب بضع كلمات على ظهره، وقال بسخرية بادية:
– مادام الفن رسالة، خذ هذه الرسالة، وأوصلها إلى العنوان المكتوب على ظهرها. وإلا سيرمى نصك في سلة المهملات، ولن تحظى بعده بشرف كاتب مسرحي أبدا.. هيا، إذهب، ولاتلتفت وراءك!
خرجت كالمطرود، وأخذت الطريق كالمنوم. وبعد أن قرأت العنوان على ظهر المظروف، تحسست جيبي. وكان ما تبقى فيه من دراهم يكفي للعودة إلى القرية فقط. لهذا ركبت قدمي، عوض التاكسي، ومشيت!
تذكرت أبي، لما حكى عن جدي، الذي أيقظه لمقدم من عز النوم، ذات ليلة، وأمره بإيصال الرسالة إلى القائد. لم يكن أمامه من خيار، سوى أن يرتدي جلبابه ويلف عمامته قبل أن يشد جزمة نعله، ليمضي في الظلام، على مسافة طويلة تقطع جبلين ، ولاتبلغ دار القائد إلا بعد أن تأخذ وقتا طويلا من النهار الموالي أيضا! فالزمن كان آنذاك عقارب تدور في ساعة الإستعمار. لهذا أخذها مرغما، ودون أن يعرف ماتحويه، هو الذي لم يُنطق حرفا في حياته. وحمل خوفه بين ضلوعه، مستنفرا أذنين هما عينا الظلام، وترك زوجته وأولاده خائفين. قد يكون تركها للمقدم، ومن يدري؟ فلم يكن ذلك بغريب على نفسه الخائنة والخسيسة. ولم يخطر في بال جدي، أن الرسالة تحمل له حكما بالسجن دام شهورا. وهكذا حمل سجنه في الرسالة، ومشى مكرها!
كان ذلك زمن الإستعمار، وأذنابه الخونة. والآن نقول زمن الإستقلال.. لكني وجدت نفسي، مثله، أحمل رسالة، أجهل محتواها، بعد أن تقدمت لمسابقة في كتابة النص المسرحي، وصدري طافح بالطموح والأمل، فانتهى بي الأمر على الطريق، مثله، أسير كالمنوم، وشعور قصبة تنفخ فيها الريح يملأ كياني!
رأيتني في جلباب جدي المرقع، أعيد إصلاح عمامتي، بعد أن عبث بها غصن طائش، وأجر نعلا خشنا ثقيلا لم تعهده قدمي، والرسالة في يدي! نظرت إليها في هلع، ثم ألقيت بها.. لم تسقط، بل ظلت ملتصقة بيدي.. عاودت الكرة بقوة أكبر،لكنها قفزت من يد والتصقت بالأخرى.. حاولت، وحاولت.. لكنها ظلت تطير من يد وتحط بعناد على الأخرى، الى أن هدني الخوف وغمرني اليأس! تعالى صراخي، وامتدت يدي إلى الجلباب لتمزقه، فسقطت العمامة عن رأسي، وصرت عار حافي القدمين، بينما الرسالة اللعنة لاصقة بين يدي، فصرخت أشد وأعلى! إجتمع الناس حولي، وتعالى اللغط، فسمعت صفارة، ورأيت شخصا بزي أرعبني، يتقدم مني، حاولت الفرار، لكنهم أمسكوني، وسلموني إليه، فربطني، وقالوا:
– مجنون!!
- مسرحية
- التعليقات