_ استلقى هشام على الارضِ واضعًا يده اليسرى تحت رأسه متوسداً. محدقاً في السماء الواسعة، مُطلقاً العنان لبصرهِ ويقلّب مقلتيه في الاتجاهات وهو غارقاً يُفكّر:
_ لقد تخطيت عتبة الخامسة والعشرين من عمري ولم اتمكن لحد الان من الزواج! فتكاليف اليوم اصبحت باهضة حد الانحناء! مصاريف المهر وما يلحق به، وحفلة الحناء، وحفلة الزفاف، والهدايا من تحت الغطاء التي لا يُحسب لها حساب. اما الموضة هذه الأيام المطالبة بالسكن المعزول المنفصل عن الاهل! وهذا بحد ذاته حملٌ ثقيل، يضاف الى باقي الاوزار التي تُثقل كاهل الشباب اليوم.
بينما هو مستغرق في تساؤلاته.. افاق على صوت رنين هاتفه! انها أُخته الكبيرة سهاد!
تسارعت نبضات قلبه في اضطرابٍ غريب! انتابه شعور القلق، ما الذي حصل يا ترى!؟ قلّما تتصل عليه سهاد منذ ان تزوجت. “خيراً ان شاء الله” قالها وهو يروم فتح الاتصال معها..
_ الو
_ هشام أين انتَ؟ قالتها بنبرة مرتجفة لا يخفى عنها الحزن والقلق!
_ موجود. ماذا جرى؟ هل هنالك خطبٌ ما؟
_ هلّا اتيت الى المستشفى بسرعة، تنهدت قليلاً ثم تابعت: أمي ترقد فيها.. قبل ان تكمل قاطعها هشام قائلاً: سهاد لا تخفي عليه شيءً هل اصاب مكروه امي؟
_ تمر بنوبة قلبية، لا تطل الحديث واسرع بالمجيء.
_ قادم.. قادم
ركب دراجته النارية وأدار الفرامل بقوةٍ وقاد بسرعةٍ قصوى. انطلق كما المجنون الثمل! حتى انهُ نسيَّ ارتداء خوذته الواقية. كانت المسافة التي بينه وبين المستشفى تبعد مسيرة نصف ساعة، قطعها بعشرةِ دقائق! لم يكن تفكيره منصب على شيء سوى امه. فكان يجتاز السيّارات والمارّه دونما توقف او انتباه! كاد ان يصطدم في اكثر من مرةٍ. توالت عليه الشتائم وتلقّى السباب من سائقي المركبات نتيجة قيادتهِ الانتحارية! _ هم لهم الحق كتصرفٍ خاطئ، وهو غير مُلام كـردةِ فعلٍ عاطفية._ بشقاءٍ وعناءٍ مُجهد وصل الى المستشفى والعرق يتصبب منه كمن جاء من جوٍ ماطر! وفي باله دارَ الف سؤالٍ وسؤال، وحلّقت به تخيُلاته الى حد الوهم، فسار به الهلع واستبدَّ به الفزع. هرول يُفتّش باحثاً بين الردهات عن مكانِ رقود والدتهِ. أحسَّ ان الوقت يمضي وهو ما يزال يبحث، رغم ان كُلَّ ما موجود هو ردهتين نصف أسرتها متهالكه! والنصف الاخر لا يصلح لمكوث المرضى. ولمّا يزال يبحث حتى لاحت بناظريه عائلته وقد تحولقوا حول سرير امه، فشق الجموع المتجمهرة كُلٌّ قرب سرير ذويه. أمسك بيدِ والدتهِ وتكلّم معها: أمي هل انتِ بخير؟ ما الذي أصابكِ فجأةً!؟ بالأمس كنتِ سليمة. أعلم انكِ تُتعبين نفسكِ كثيراً في أعمال المنزل التي لا نهاية لها كأزماتِ حكوماتنا المُتعاقبة! بيد ان لصحتكِ حقٌ عليكِ.
_ لا تقلق انا بخير، مجرد وعكةٌ عابرة وسوف انهض منها وأعود. ليبقى بالكَ مطمئن يا هشام.
_ خذِ مقداركِ العالِ من الراحةِ الآن ولا تهتمِ لشيءٍ.
أَومأ برأسهِ ورَمَزَ بشفتهِ الى اختهِ سهاد، في إشارةٍ منه لخروجها خارج الردهة للتحديث معها.
_ سهاد، هل جاء الطبيب ونظر حالةِ والدتنا؟
_ نعم، يقول: ان لديها تهدّلٌ بالصمام التاجي ويجب ان لا تجهد نفسها كثيراً لان في ذلك ضرر ومضاعفات تتسبب في أزمةٍ قد تلحق الضرر فيها.
_ خبرٌ سيء. هل وصف علاجاً لذلك؟
_ كلا، سوى بعض المسكنات وتأكيدات على الراحة.
لم تلبث طويلاً في المستشفى! فلا احد منا اليوم يُحبذ المرور بها لسوء احوالها فضلاً عن المكوثِ فيها. بعد اطمئنانهم عليها طوى هشام بِساط اقامتهم، وعادوا بوالدتهم الى المنزل.
عند المساء، ارخى التعب سدوله، واناخ فوق فراشهِ مرهقاً. وهو يستحضر شريط احداث اليوم.. قطار الوقت يسير بلا هوادة وايادي الثلج تتسلق على راْسه، وما زالت الطيور تبني اعشاشها فوق أغصانهِ المائلة. ردّده بصوتٍ خافت: ( الّـلِـهِـمْ يَـا مُـغَـيُـرُ الَـحَـالّ وَ الأحْـوَالْ غَـيُـرُ حَـالّـنَـا إِلَـىَ أَحَـسَـنَ حْـالّ ). قبل ان تنطبق جفونه نائمًا.