يخرج الصراع العربي الإسرئيلي عن منظومات التحليل السياسي العادية والمنهجية التي لا تمنحه حقه من القراءة العقلانية المستندة إلى الواقع والتجربة والعلاقة، أن نفصل أنفسنا كقارئين للصراع باعتبارنا ذواتا محايدة يبدو لي هو بداية الانزلاق نحو اعتبار الاحتلال الصّهيوني طرفا مقابلا للمقاومة الفلسطينية باعتبارهما قطبين متنازعين، أو دولتين بينهما نزاعات حدودية، وهو أبعد البعيد عن الواقع، حينما نتأسّس كمتابعين للصّراع من زاوية إنسانية متداخلة مع الوضع في الأراضي المحتلة باعتبار الصّهاينة كيان مغتصب احتل الأرض وهجّر أصحابها ونكّل بمن تبقى منهم وحاول احتواء من سمّاهم بعرب الداخل.
إنّ الحرب الأخيرة بين المقاومة في القطاع وبين المحتل الصّهيوني أعطت الضّوء الأخضر للإنسان باعتباره مقاوما أصيلا للظلم أن يقف على الحقيقة الاستعمارية الصّهيوينة المناهضة للسلم والمساواة والعدل والقائمة على الظلم والجور ونزع الأرض والاستيطان لتكتسب هوية على أرض تعلم يقينا أنّها لشعب عريق منذ الكنعانيين، إنّ الأطروحة الصّهيونية تقوم على فك الارتباط بين الوعي بالذّات والوعي بالتاريخ، ومن ثمة فهي تراهن على الشتات كمنظومة تستبدل ذاكرة بديلة بذاكرة الأرض تقوم على الوطن البديل، ولهذا ترفض عودة اللاجئين وتحاول توطينهم بكل الأشكال والصّفات ولعل صفقة القرن تدخل ضمن هذا المسعى الاستعماري الإحلالي.
إنّ محاولات إغلاق باب العمود واقتلاع الفلسطيني من حيّه الأصيل “الشيخ جرّاح”، وليس “الإخلاء” كما تحاول الآلة الإعلامية الصّهيونية تكريسه في الوعي العربي والفلسطيني والعالمي لأجل أن تستفيد قانونيا من حالة الوضع – ولو كان هشا – التنازعي بين المالك والمستفيد، وهي حالة تجعل من وضع الفلسطيني القانوني إمكانية تنازعية في عقر داره. إنّ قضية القدس ومحاولات اقتحام الصّهاينة للحرم المقدسي على أساس أنّهم أصحاب الأرض وما عليها، وأنّهم باحثون عن هيكلهم المزعوم الذي دمّرته اليد العربية لتبني مسجدها الأقصى على أنقاضه، إنّ كل هذه الادّعاءات والاعتداءات على الذّات والذّاكرة الفلسطنيين تخرق كل زعم بإمكانيات التّفاوض مع العدو الصّهيوني الغاشم القائم على الهيمنة والغطرسة وهضم الحقوق، مدفوعا بذاكرة الشّتات وخلل الهوية، فإسحاق دويتشر يعنون كتابا له “اليهودي اللايهودي”، وهي علامة بارزة على الوعي المنشطر الذي يعيش به اليهودي باعتباره دينا أو دولة، لغة أو قومية، تاريخ أو لافتة للتموقع بين حضارات متعدّدة ودول مختلفة.
إنّ الصّهيوني ليس بيده سوى الرشاش رمز القوّة الغاشمة، وليس بفكره سوى الإزاحة والإحلال، لهذا لا يجد حياء لا من التاريخ ولا من العالم وهو يعلن الحرب على السكان الآمنين في أحيائهم، لإخراجهم من بيوتهم وتمكين العصابات الصّهيونية منها لتغيير وجه القدس وتهويدها وإعلان يهودية الدولة، ومفهوم اليهودية، غامض يتوزّعه الشتات الفكري الصهيوني، فهو يؤدي المعنى الديني في اليهودية، لاستمالة ومحاولة كسب الوجدان المتعصب للمتديّنين العنصريين، وقومي سياسي لكسب الدعم العلماني الذي يقوم عليه الكيان الصّهيوني الغاصب. وهنا نفهم محاولات الإغلاق التي يتعرّض لها حي الشيخ جرّاح، ومنع الفلسطينين من دخوله سوى من يسكنونه، والسّماح الفج للمستوطنين بحرية التنقل فيه دخولا وخروجا أمام مرأى من العالم وكاميراته غير آبه هذا الصّهيوني المحتال على التّاريخ والأرض بالقوانين والأديان والأعراف الدّولية، يقوم بهذا لكي تنسلخ القضية تماما من شقها الإنساني والقومي والدّيني وتلتصق التصاقا قويا بالجانب القانوني المجرّد الذي لا يبقى أمامه سوى المحاكم العنصرية اللاعادلة لكي تفصل فيه.
لا تقوم الأطروحة الصّهيونية سوى على الاختلال الواضح والدّائم في موازين القوى، لهذا فهي تناور وتراهن على التسوية السلمية ودخول مسار المفاوضات، فمنذ أوسلو، ويا للأسف، انخرطت السلطة الفلسطينية في مسار مفاوضات لم يؤدي إلى أي حل، بل بالعكس منح الكيان الغاصب الفرصة تلو الأخرى لكي ينظّم صفوفه وأوراقه المزوّرة ويجمع قواه ويستعيد أنفاسه لكي يدفع بكل الحجج الفلسطينية ويرمي بها عرض الصّحراء، والتهم الجاهزة مثل إرهابية المقاومة وعدم تمكن السلطة من لجمها، بل ضعف هذه السلطة وامتثالها لكافة إملاءاته لا يجعل الكيان الغاصب سوى مستعدا لكي يطحن الحق الفلسطيني ويحرمه وجوده على أرضه، وهذا لا يعني سوى التآمر على كل إحساس بالظلم والمجاهرة به والنّهوض لمواجهته.
إنّ القوة هي السبيل الوحيد لإخضاع المحتل وجعله يركع أمام المطالب الشرعية بالاستقلال وتصفية الاستعمار، والتّفاوض الوحيد حينذاك يكون حول كيفيات الخروج من الأرض التاريخية للشعب التاريخي، الصّاحب لها ومالكها على مرّ الدورات التاريخية الحضارية الكبرى.
إنّ ما يقوم اليوم من غطرسة الكيان الصّهيوني المحتل، وتغوله، ويساعده في ذلك التواطؤ الأمريكي الدائم والمستمر، وما سمعنا مؤخرا من بايدن أنّه مع إعمار غزة لكن بدون حماس، والولايات المتحدة مع الحق الصّهيوني في الدفاع عن نفسه، إنّها سياسة الكيل بمكيالين، واستحمار العقل والوعي العالميين، فكيف تصف قرارات الأمم المتحدة الصّهاينة بالمحتلين، وأمريكا تدعّم حقّهم في الدفاع عن أنفسهم، وتنفي هذا الحق في تصريحاتها عن الفلسطينيين أصحاب الأرض والحق التاريخي والشرعي فيها؟ وإلا كيف نفسّر وسم المقاوم بالإرهابي، هل التّنازل عن الحق التاريخي للإنسان في أرضه هو الطريق الوحيد في عرف العولمة الأمريكية والإرهاب الصّهيوني إلى السلمية ومن ثمة الركون إلى الأمر الواقع بالفعل وهو استيلاء الصّهاينة على الأرض التي بلا شعب كما يدّعون؟
إنّ المعادلات التي وازنتها صواريخ حماس أعادت الحق الفلسطيني المهضوم إلى الواجهة، وأزاحت كافة الأقنعة عن الوجوه الذئبية التي تخفي المخالب المهيّأة للنّشب في أي وقت، وفضحت المزاعم الصّهيونية في القانون والسلام والحوار، لا حوار هناك مع الصّهاينة سوى قرع الحديد فوق رؤوس البغاة الذي يستأسدون في فضاء عربي أقل ما يقال عنه أنّه رهين سياسات دولية غالبة ولهيمنة القوة، ثم جاء التطبيع ليطيح بالكرامة العربية ويجعلها مداسا للأقدام الصّهيوينة المحتلة التي لا تحترم من تخلّوْا عن أَنَفَتِهم وكبريائهم الإنساني ومؤازرة بني جلدتهم في الدّين والعروبة.
لقد أطاحت صواريخ حماس بأسطورة الجيش الذي لا يقهر، وبالشّعب الذي استتب له الأمر على أرض الميعاد، وبعنجهية السّاسة الذي لا يستمعون إلا لأصواتهم المعربدة في صمت قصور السياسة والمقاومة العربيتين، وبعنصرية المتديّنين الذي لا يحتكمون سوى لتلمود صنعته أطماعهم في تاريخ يحاولون صنعه من هشاشة الأرض التي تقوم عليها أحلامهم، وأعادت الصّهيوني إلى خوفه التّاريخي الذي لا يواجه إلا من خلف الحصون، حيث الملاجئ شكّلت رمزية انكفاء الصّهيوني على ذاته وخوفه من المواجهة واعتناقه مذهب الحياة.
لا يمكن للتّاريخ أن ينكتب في دواوين الخداع والمكر الدّوليين، ولا يمكن أن يصمت صوته إلى الأبد في مواجهة آلة الكذب والزّيف المعلّقتين على رقبة مغتصب صهيوني يحميه رشّاش أبدي كاتم لصوت الحرية والحق والإنسان. لقد أصبح الوعي العالمي بدرجة يمكن له معها أن يميّز بين الضحية والجلاد، بين من يطأ القانون ويخرقه وبين من يحاول أن يدافع عن حقه في استرداد أرضه وهويته التي يدعّمها التاريخ والوجود والوعي بالقضية، ولا شك وأنّ حركة المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تحرّكها للمطالبة بإيفاد لجنة أممية لتقصي الحقائق حول انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان في غزّة يكشف عن جانب ولو صغير جدا من هذا الوعي المتأخر بالقضية الفلسطينية، رغم أن مطالبة الضحية بالكف عن الدفاع عن نفسه أمر غير مستساغ مع المواثيق الدولية التي تعترف للشعوب المحتلة بحقها في تقرير المصير، وذلك هو الأمل الذي حرّكته المواجهة الأخيرة بين فصائل الشعب الفلسطيني في الداخل وحدود 1948، وفي الضفّة والقدس وغزّة وكافة الأرض الفلسطينية وبين المحتل الغاشم الذي أُجبر على العودة إلى حجمه المنكفئ والخاسر.
- معادلة المقاومة وعودة الأمل الفلسطيني
- التعليقات