لقد كنت دائما أشعر أنك امتداد طبيعي لأناملي ألامس بك بياض الورقة، فإذا بي أسمع حشرجتك على أديمها تتغير نغماتها تباعا، وكأنها في كل حركة من حركاتك تحاكي تلك المنعطفات التي تصنعها الحروف، فتتمايل في أطرافها ارتفاعا وانبساطا، وتتماوج في نهاياتها استدارة واعتدالا. غير أني كنت أحس في كل حركة من حركاتك شيئا من العنت وكأنك تحفر في صلب الورقة أخاديد الحروف، وتشق في كبدها ثلم الكلمات، فإذا أنت في شدتك وارتخائك، تحاكي تلك التوترات التي يعرفها القلب حينما يلامس ظلال المعاني، ويروم لها من الأصوات ما يناسبها، ومن الكلمات ما يوائمها.. فإذا آثار الحركة بادية على الخط رسما، تترك في أثرها تشنجات اليد القابضة عليك، التي يأتيها سيل الأحاسيس من القلب أمدادا أمدادا، ولا تقدر على تسطيرها دفعة واحدة، إذ هي مرهونة للخطية تنثر في أسطرها الكلمات والعبارات تباعا.. وإذا فيض من المشاعر يقف في رتل ينتظر الدور الذي يسعفه لينبسط على وجه الصفحة كلاما جميلا أنيقا مورقا مونقا. كنت أراك وأنت تتحمل ذبذبات الجسد، تطيش قليلا أو كثيرا، فتترك على الورقة ندوبا بينة لا تخطئها العين، وكأنها ندوب الأحاسيس التي استهجنت الكلمة، ورفضت ثوب العبارة، وعافت أن تكون في كفن لغوي لا يتسع لجمالها، أو لا يقدر على تحمل عبئها، فترفض الانصياع، دافعة اليد إلى الروغان يمينا ويسارا.
هاأنذا اليوم.. لم أعد أشعر بك عضوا تستطيل به الأنامل، وقد تحولت أصابعي إلى منقار ينقر مفاتيح رسمت عليها حروف وعلامات، كما تفعل الدواجن حين تنقر الحب المتناثر في التربة. لقد ترك الحرف معانقة أخيه الحرف، وانفصلت عرى المودة التي كانت بينهما من قبل، فلم يعد الحرف يستقبل أخاه، أو يفسح له المجال ليكون أولا أو وسطا، أو أن يلحق أخيرا، وقد غير من ثوبه وشكله.. لقد فقدت الكلمة ذلك التآلف الذي كان القلم يجبرها عليه حينما كان لا يراها حروفا متناثرة، وإنما يراها كلمات متآلفة.. ها أنا اليوم أنقر الحرف، ولا أعرف إن كان سيحمل من التوترات التي كنت أقرأها في سطرك قبل أن أقرأها في حرفك.. لم تعد الصفحة تلك الورقة التي تحاكي صفحات النفس حينما يُسوِّد المداد وجهها، وتعمرها الخدوش والانكسارات، كما تعمر حياتي خدوش الأيام وانكساراتها.. بل غدت الورقة بين يدي اليوم شيئا يقتلُ جمالَه النظام المفرط، والدقة المفرطة.. لم أعد أرغب في ورقة منظمة بهذا القدر من الدقة والوضوح، فأنا في حاجة إلى ورقتي الأولى التي كنت استبشر فيها بشطط القلم هنا وهناك، وباعوجاج الحرف هنا وهناك.. كنت أرى فيها شدة المعاناة التي كنت أكابدها وأنا أكتب، وأنا أفكر، وأنا أبدع.. أما اليوم في عالم النقر.. فلا كتابة ولا أبداع.. وإنما آلة صماء تصفف الحروف بدقة متناهية، وقد سلبتها إنسانيتها وفرادتها.. فمعذرة أيها القلم.
- معذرة أيها القلم
- التعليقات