بتبجّحٍ، يمشي الهوينى، متبخترا بفروته الناعمة ذات اللون الأبيض والأصفر، يموء، يقفز، يخرّ، يحرّك ذيله في تفاخر، وهو يسير باختيالٍ نحو أنثاه البيضاء كالثلج، التي تتمدد على الجدار الفاصل بين بيتنا وبيت جارنا، هناك .. على حافة الجدار كانا يموءان معاً، تبرق أعينهما العسليتان في نشوة مائعة، فشباط عندهما لا ينتهِ، حتى ولو أصبحنا في حزيران.
يرفع قائمتيه الأماميتين بتواتر مُحبّب، يمسّد بإحداها على رأسها ويقترب، لامسها بشاربيه، تشمّمَ رائحة أنوثتها المنبعثة من بين ثنايا جسدها البضّ. قابلتْهُ هي أيضا بالمثل، ماءتْ، تغنّجتْ، تدلّلتْ، كانا يتحابان بعشقٍ، ويتلوّيان على سلك أصفر، يمتد على طول الجدار، ينتهي بعلبة رمادية، مخصصة لتحمي راوتر الانترنيت من السقوط، هناك .. كان ودّهما يضغط على آلاف الاتصالات، ويتعاظم بفعل الذبذبات الإلكترونية، التي مرتّ وتمرّ كل ثانية في هذا السلك المهمل، لا يدريان أنهما جعلا بفعلتهما الحميمية كلَّ شيء يجري بسخونة داخل السلك، كتلك العواطف الباردة في قلوب الأبناء المهاجرة اتجاه أفئدة آبائهم المقهورة، فقد سخنتْ من جديد.
لقد تركا كل شيءٍ يموج في بعض، كبحرٍ يغمر الشاطئ بزبده، لقد أصبح الكلُّ واحداً، وتساوى الجبل بالوادي، والسهل مع التل، الصحراء مع النهر، الصرخات مع الصمت، والقهقهات مع العويل، هناك لم تبقَ للحقيقة قيمة، وللخيانة وزن، وللصدق أُذن، وللنميمة حدود، وللفصول الأربعة مواعيد، وللأيام أوقات وساعات، واختلطت الأديان معا، في زوبعة من الفوضى الخلّاقة، هنا تجد الإمام يسجد في كنيس، والقس يرتل في جامع، والحاخام يصلّي تحت الصليب، وكل المذاقات باتتْ واحدة، فلا فرق بين مالحٍ وحامض، وحلوٍ وحاذق، واللغات تحوّلت إلى إشارات بلا مشاعر، مثلما تبدّلت الوجوه برموز الإيموجي الخبيثة.
هناك كانت الحيوات تنتهي، حين يرفع الأموات رؤوسهم من تحت التراب، وآلاف من المقاطع المصورة، امتزجتْ في عاصفة من الصور المتلاحقة، ساخنة تارة، وباهتة تارة أخرى، حيث تغوص كلها في شذوذ من ملذاتٍ شبقة لا تنتهي.
قطٌّ أسود آخر، يتجرّأ عليهما، أراد أن يغزو مخدع متعتهما تلك، يخطو نحوهما في تكبّر مبالغ فيه، اشرأبّت نحوه الأعين الماجنة، نهضت الأنثى من تحت ذكرِها تموء، تخرّ بميوعة، تهرب من معركة وشيكة، بين المتنافسيَن العاشقيَن، هجم الغازي على العاشق، دافع الأول عن عرينه، صعدتْ الصرخات من خلف الحناجر، اشتبكت المخالب، حتى انغرزتْ في كرات الفرو الحانقة، لحظات قليلة وهربَ الأسود، يجري خلفه الأشقر، ابتعدا حتى اختفيا، بعد أن خلّفا دماراً في علبة الراوتر الرمادية، فما إن بدأت معركة البقاء للأقوى، والسيطرة على إناث الشارع البغيض، حتى سقط الراوتر المعلّق بمسمار صدئ أرضاً، هوى ضحيةَ حبّ ورغبات عارمة، وشهوات عابرة، حين علقَ بقائم أحدهما لحظة فرار مؤلمة، حينها، أسودّ كل شيء في عالمي، واختفت أيقونة الاتصال بشبكة الإنترنيت، وظهرتْ جملة على شاشة هاتفي الجوال تقول: فُقد الاتصال بالإنترنيت.
- معركة فوق الحافة
- التعليقات
