..أخيرا، حط الليل، في غفلة منا، وفصل بيننا كحكم عادل. أرغمنا على الكف عن عراك لم ينحسم بعد، وفرض علينا البقاء على السفح عند عتبة الجبل، بعد ان سد الفضاء حولنا بجناحيه الأسودين، وحال بيننا والمؤونة التي ظلت معلقة بين جذوع الشجرة في منتصف الطريق الصاعد الى قمة الجبل، تنتظر من يسبق إليها عند حسم معركة كانت جولاتها متقلبة النتائج.! لم يدع الليل لنا من سبيل غير أن يلوذ كل واحد منا بمكان يأوي إليه، بانتظار أن يطلع الصباح من وراء ظهره الدامس. كنا متعبيْن الى حد الإرهاق، وفي الحلق جفاف عطش شديد يجعل البصقة أمنية، ولاماء في متناول اليد، أما الأكل فترف مع حالة العطش الشديد حتى ولو كان في متناول الفم.! لهذا تمددتُ على الأرض غير عابئ بالحصا الناتئ تحت جسدي المهدود وبالليل والعواء الذي بدأ يرتفع في الأرجاء المظلمة كآذان بالخوف، فاتحا كل مسام جلدي للرطوبة المنعشة التي حملتها أنفاس الليل الأولى علها تنفذ بخارا يتجمع غيما داخلي ويروي قليلا عطشي.! وبلاشك هو الآخر تمدد مثلي، لأن كلانا ظل يستقي من نفس نبع التعب لساعات طوال، وربما هده الإرهاق أكثر مني، نظرا لحجمه الضخم.! لهذا كنت مطمئنا أنه في حاجة ملحة لإستراحة المحارب، ولن يهاجمني على حين غفلة، مستغلا أدغال الظلام الممتدة في غابة الليل، وأغمضت عيني بعد أن تحولتُ الى صحن بشري مقعر يحاول إلتقاط كل ذبذبات الرطوبة المتلاحقة النسمات، وكدتُ أغفو..! لكن جرس العواء المعلق في قبة الليل، وأشواك البرد التي تفتقت من ثيابي الداخلية المبللة بعرق غزير ظل يسيل طوال الجولات المحتدمة، مسحا النوم عن عيني، وجعلاني ألملم أشتات أطرافي، وأجلس ناظرا الى النجوم اللامبالية لأتأكد أن عيني مفتوحة بالفعل.! تذكرتُ، فجأة، الولاعة التي ظلت خامدة في جيبي منذ أن تلاشى آخر خيط السجارة الأخيرة، فشع في روحي المنهكة وميض مسرب من ضوء ودفء يوفر لي إمكانية عبور ليل بارد ومخيف، جعلني أستجمع ماتبقى من قوتي المشتتة كجيش مهزوم، بعد أن خفت حدة العطش في حلقي، وأنهض بحماس لأجمع مايمكن أن أشعل به نارا تهش عني ألسنة اللهب الأسود المندفع من فم ليل مفتوح على إتساع الأرض حولنا، ورحتُ أحتطب أي شيء قابل للإشتعال على ومضات متقطعة من لهب الولاعة المائل الى الزرقة، محاذرا أن يستهدفني الآخر بضربة غادرة ترديني أرضا.! لكنه لم يفعل.. ربما ظل يراقب من بعيد ومضات الولاعة وهي تنقدح كل مرة جديدة من مكان جديد. ولربما كان مثلي يتحسب لضربة غادرة خال أني أحضر لها. وبلا شك لم يكن نائما، لأنه مثلي، أو أكثر، لايمكن أن يحسب العواء هدهدة تمسح على الأجفان لتسكن الى نوم مريح، رغم أنه، وبلا ذرة شك، كان يعاني إرهاقا شديدا أكثر مني، بعد أن أرغمته على جهد كبير طويل أبعد من أنفاسه القصيرة داخل جسمه الضخم البطيء الحركة، لأجل الإمساك بي. وهو الامر الذي لم يفلح فيه أي مرة، وكان يكتفي بالركض ورائي يسبقه كرشه المتقلقل كي يبعدني عن عتبة الطريق الصاعد الى قمة الجبل، ليعود محاولا تسلق الطريق المدهوس الزلق قبلي قاطعا علي أي إمكانية لتجاوزه والصعود باتجاه المؤونة المعلقة، لكن محاولاته كانت تذهب هباءا، إذ كنت أركض وراءه، وأمسكه من ساقه، واجره الى نقطة البداية من جديد، ثم أسدد له ضربة مباغتة وأبتعد بسرعة كي لايمسك بي.! هو من أراد ذلك. هو من هجم علي وأطلق الضربة الأولى.فكان لابد أن أدافع عن نفسي، لهذا، وبعد أن استجمعت قواي ونهضت، غافلته ثم أمسكت به وأسقطته أرضا، فجرني وراءه وتدحرجنا ظهرا لبطن وبطنا لظهر الى السفح من جديد بعد أن قطعنا كل تلك المسافة صعدا، حيث انطلقت جولات أخرى من العراك لم تنته الى نتيجة حاسمة، حتى جاء الليل بسلطانه الأسود وفرض علينا التوقف.! نعم، هو الذي أراد كل ذاك، بعد أن رفض بقطع إقتسام حصص المؤونة بيننا بعدل، وأصر على التمسك بأكثر من لقمة واحدة وجرعة ماء واحدة، مقابل أن أقنع أنا بلقمة وجرعة فقط، رغم أني أحمل ثقل المؤونة على ظهري طول الطريق، بحجة أنه من غير المعقول والمنطقي التفكيرفي المساواة بين أشياء بطبيعتها غير متساوية، على اعتبار الحجم، إذ يبدو بطني كبطن طفل مقارنة بكرشه الضخم، لهذا كان يصرخ باستهجان واستنكار:
– ليس من العقل او المنطق او القانون او العدل أن يتساوى الفيل والأرنب في حصتهما من العشب والماء.؟
– انا لست أرنبا.!
رددت عليه بغضب..
– وأنا لست فيلا طبعا.! هذا مثال فقط..لكنك لاتفهم.!
– أنت الذي لايفهم، إذ كيف يعقل أن احمل المؤونة الثقيلة طول الطريق الى نهاية العمر، مقابل حصة تتضاءل باستمرار، فيم حصتك تزيد دوما، رغم إمكانية أن تنفذ المؤونة قبل الأوان.؟
– ذاك قدرك.! لقد حملها قبلك أبوك، وسار وراء أبي، صاغرا، وقبله جدك، وأكتفى بفتات كان يفضل عن الحاجة، ولم يتأفف حتى.!
– ذاك أبي، وهذا أنا.!!
– انت ولد عاق، ضال، طالح، زنديق، متمرد على القدر والقضاء. وبلغت بك الوقاحة حد ان تفكر في ان نقتسم حصص المؤونة بالتساوي، بل وأن نتقاسم حمل ثقل المؤونة…
– من حقي..!
– من الباطل الذي تجسد في لحمك ودمك، بل من باطل الأباطيل.! أهو حق أن تخرج على الطبيعة والناموس والقانون والشرع والعقل والمنطق..وتطلب الذي لم يجرأ عليه أحد قبلك.!؟ أهو حق أن تخرج على قدرك الذي جعلك وريثا لسلالة التابعين، وتتطاول على قدري الذي جعل لي أتباعا يحذون وراء نعلي العزيز.!؟
– تبا لك، وللقدر.!
– عليك اللعنة أيها المارق الذي لاقاع لبئر وقاحته.! أتريد ما لايمكن ان يصير أبدا، بعد أن تنازلت لك ومنحتك، بالتساوي، حصة مقابل حصتي، بعد أن كان نصيبك حصة واحدة بين حصتين لي.!؟ أتريد أن تساوي بين القمة والسفح، بين أبناء القمم وأبناء القيعان.!؟ إسأل الشمس، أيها الأبله، عن القمة والقاع، عن الذي يفتض باكورة أشعتها الأولى، أهو القاع المنشور كعاهرة رخيصة أم القمة التي تظل على انتصاب لاينتكس.!؟
– هراء..! لقمة واحدة لن تكفي بطني ليقوى ظهري على حمل ثقل المؤونة، وجرعة ماء واحدة لاتكفي لتعويض كل العرق الذي يعتصره مني طول الطريق.؟
– تجاوز سقمك اولا. صر بمثل حجمي، مع أني أشك في قدرة هيكلك العظمي البسيط أن يحمل بطنا بضخامة بطني. ثم طالب حينها بحصة تساوي حصتي.!! قلت لك كم مرة أقلع عن التدخين بادء ذي بدء، كي تفك أسر شهيتك، ثم فكر في الخطوة التالية المناسبة، لكنك تنط وتقفز كالغراب الذي مثلك أراد شيئا لم يخلق له وهو مشية الحمامة.! لكنك لاتسمع النصيحة الحقيقية، وتصيخ بسمعك جهة الوساوس الشيطانية.؟
– أهلا بالشيطان ووساوسه، إذا كانت ستحررني من هذه العبودية التي تجرني وراءك مثقلا بحمل ينوء تحته ظهري دون ان استطيع إطفاء الجوع والعطش سوى بلقمة وجرعة يتيمتين تزيدانهما إشتعالا، كما إنجر أبي، مقهورا، وراء أبيك.! أهلا بالشيطان ووساوسه إذا كانت ستجعلني أضع حدا لذلك، وأكسر حلقات سلسلة العبودية المتوارثة، ولاأورث إبني بعدي حملا ثقيلا ولقمة ذليلة وطريقا مرسوما يسير في طليعته إبنك.!
عند هذا إنفجرت من فمه الواسع قهقهة كريهة شامتة مستعلية كأنها تردد: هيهات هيهات..هي القهقهة نفسها التي سمعتها حالما إنتهيت من إشعال النار بعد تحسب شديد لإمكانية أن يغافلني بضربة غادرة، وجعلتني أبتعد بسرعة عن منطقة الضوء التي ترسمها ألسنة اللهب المتصاعد، ليعقبها صوت كالعواء أحسست بسواد حروفه وهو ينكتب في سمعي كالزفت، قائلا:
– إما أن نقتسم النار سواسية، او تظل منطقة عزل بيننا دون ان يستطيع اي واحد منا الإقتراب من حميم دفئها.؟
رددت عليه بسخرية، والظلام بيننا وسيط عادل:
– هيه، لو إتبعت نصيحتك في الإقلاع عن التدخين، عوض الاستماع الى وساوس الشيطان، لما كانت في جيبي ولاعة لإشعال النار.! أترى كم هو وسواس الشيطان أجدى من نصيحتك.!؟
فرد بحزم تشوبه نبرة يأس واضحة:
– أنت وشيطانك الى الجحيم.. أنا لاأمزح.! إما أن نقتسم هدنة حول النار بيننا، في مواجهة ليل بارد أقوى منا الإثنين، او لن ينعم بدفئها أي واحد منا، وليتجمد كلانا في برودة ليل تصير صقيعا شيئا فشيئا.؟ ولك الإختيار..!
كنت في حاجة الى الدفء والراحة، وفي غنى عن الحاجة الى جولات أخرى من عراك لاجدوى منه في ظلام دامس، أشبه بعراك العميان، لهذا صحت:
– هدنة..؟
– نعم هدنة الى ان يطلع الصباح، ودون شروط، مع تعهد أن لايغدر طرف منا بالآخر، والنار بيننا شاهدة.!
صمتُّ قليلا، ثم قلت بنبرة هادئة:
– إذا كنت صادقا وتثق في تعهدي، تعال اولا لأراك ثم اجلس الى جانب النار، قبل أن آخذ مكانا حولها.!
لم يرد. خرج بقامته الضخمة من تحت عباءة الظلام، ودخل مساحة الضوء الراقص المائل الى الحمرة، وتهالك على الأرض قرب النار في استسلام باد.! أخذت مكاني قبالته، دون أن اتخلى عن حذري، ودون ان انطق كلمة، الى أن قال:
– أرجوك، عدني أن لاتغدر بي. أريد أن أنام، بأمان، كما كنتُ انام لما كنتَ تحرسني بصدق وتفان الى أن أستيقظ على راحتي، قبل ان يتسلل الشيطان الى دماغك.! عدني، لازلتُ أثق فيك، لأني أعرف أنك إذا عاهدت تفي.!
وما إن سمع من فمي كلمة أعدك، حتى تمدد، وسرعان مانام دون ان يضيف حرفا. وتركني أطعم النار بين الفينة والأخرى، وأستمتع بهسيس أنيابها وهي تمضغ العواء المنبثق كفقاعات صوتية مخيفة من سطح بركة الظلام الواسعة، بعد أن تلعقه بألسنتها الممتدة كلسان الحرباء. وعندما علا شخيره، تمددت على ظهري، ورفعت نظري الى نجوم بعيدة لاتطالها أصابع الليل القاتمة، بعد أن نسجت ألسنة النار بطانية من دفء وغطتني، الى أن تسلل النوم الى جفوني المتعبة وأغمضهما خلسة مني..! لكني، بعد مدة لم أدر كم طولها، استيقظت مفزوعا على ايقاع احساس رعب خام، لم أستطع صهره إلا حين عادت إلي ذاكرتي بعد ان لمحت بصيص صباح في السماء وشعرت بألم حاد في رأسي، فعرفت أين أنا وأدركت أن الآخر غدر بي عندما كنت نائما وهوى على راسي بضربة غاشمة أرسلتني في غيبوبة لم أعلم كم طالت، واكتشفت أني مربوط من يدي لما حاولت تلمس الجرح الذي في رأسي، ومن رجلي لما حاولت أن انهض.! وقبل ان يغلبني اليأس، وأستسلم لقدري أن انفق كنعجة لاحول لها بانتظار عقبان قادمة، تذكرت النار، وقلت لنفسي بثقة: لابد ان هناك جمرا تحت رمادها، سيمكنني من قطع الحبل عبر حرقه، كي ألحق بالغدار. ثم تدحرجت باتجاه مكان الرماد، باندفاع وعزم ومحاولا أن اسرع أكثر..!

أضف تعليقاً