كنت أشاهدُ التلفاز ، أتابع أخبارَ مدينتي حاضرة الرشيد التي دخلت أتون الحرب قبل أربع سنوات، وعلى الرغم من تضارب الأنباء والأخبار عن طرد تنظيم داعش منها وسيطرة فصائل جديدة عليها، إلا أن سعادتي كانت لا توصف باقترابِ خلاص المدينة من قبضة التنظيم الذي أذاقَ أهلها الويلات ،سعادة كبيرة لم يكن يُنغْصها غير صور الدمار والخراب اللذين لحقا بالمدينة جراء قصفها، وصور الضحايا المدنيين العالقين داخل المدينة ، وقد تقطّعت بهم الأسباب …………….وفي غمرة انشغالي بمتابعة التحليلات المختلفة للموضوع، دخلت زوجتي الغرفة ، وهي تقول : لقد انتصفَ شهر رمضان، ولم تُحضر لنا “معروكاً ” هذه السنة….! فأجبت :حسناً ، غداً إن شاء الله أشتري لكم “معروك” ، فقادتني ذاكرتي إلى ما حصل قبل أربع سنوات تقريباً، وتحديداً إلى شهر رمضان من سنة ثلاث عشرة وألفين……………
كان قد مضى ما يقاربُ الخمسةَ أشهرٍ على نزوحي، عندما حطَّ شهرُ رمضان رحاله، ومنذ اليوم الأول طلبَ ابني الصغير ذو الأربع سنواتٍ ونصف “معروكاً ” كما كانت عادتنا في الرقة………….كان “المعروك ” في الرقة أحدَ الطقوس الرمضانية، فلا تتمُ صناعته إلا في رمضان، ولا أحد يشتريه في غيرِ هذا الشهر الفضيل، وقد برعت المحلاتُ في مدينتي بصناعته، وتطورَ من العادي إلى المحشو تمراً أو زبيباً أو جوز هند، والبعضُ راحَ يحشوه بالقشطةِ أو بالموز…ولا يكتمل الإفطار في منازل أهل الرقة دون وجود “معروك” مع العصير بعد الإفطار…………لم ألحظ في القرية التي أقطنها أي محلاتٍ تصنع أو تبيع “المعروك”، فذهبت إلى المدينة، أحضرتُ معروكتين، إحدهما محشوة تمراً والأخرى بجوز الهند، بعد الإفطار ، طلبتُ المعروكَ والعصير، لكن الصغير لم يرغب فيه، وبدت إماراتُ عدم الرضا والانزعاج واضحةً عليه، وهو يقول ” المعروك” شكله مربع وهذا مدوّر، لم انتبه لهذا التفصيل البسيط والصغير، فإن كان مربعاً أو مدوّراً فكلّه “معروك” ، حاولتُ جاهداً، وتعبتُ كثيراً لإقناعه أنه ذاتُ “المعروك” ، لم أفلح أبداً ، بل وراحَ الصغيرُ يبكي يريدُ “معروكاً” من الرقة…………ليلاً وفي محاولة يائسةٍ مني لإرضاء الصغير، اشتريتُ من المكتبة علبة صغيرة تحتوي معجون وقوالب صغيرة للأشكال الهندسية، كان قد طلبها الصغير قبل بضعةِ أيامٍ، وعندما وصلتُ البيت ناديته كي نلعبَ بالمعجون، جاء الصغير وهو يبتسم فرحاً بعلبة المعجون، أخرجتُ قطعة من المعجون وقوالب الأشكال الهندسية، فلمعت الفكرةُ في رأسي وكدت أصيحُ وجدتها…………. ! ورحتُ أشرح للصغير كيف يتغيرُ شكل المعجون…؟ كلما غيرنا القالب، فقلت إذا وضعنا المعجون في قالب المربع سيصبح شكله مربعاً “كمعروك” الرقة، وإذا استخدمنا قالب الدائرة أصبح المعجون على شكل دائرة “كالمعروك” الذي أحضرته اليوم، وإذا وضعناه….قاطعني الصغير طالباً مني الانتظار قليلاً، فذهبَ ثم عادَ بعد برهةٍ قصيرةٍ، يَحملُ بيده صحناً فيه قطعة “معروك” وبيده الأخرى كأس عصير، فقال دعنا نتابع اللعب الآن، فطلبتُ منه متابعة اللعبِ وحده……..تركته وجلستُ أتابع التلفاز، كانت أخبار مدينتي لا تسرُ صديقاً ولا عدواً، غيرتُ القناة، لكنّي لم أعرف ما تعرضه القناة الأخرى..؟ فقد وقفَ الصغير أمامي، وهو يقول : غداً أُريدُ “معروكاً ” كهذا…………. كان قد وضع المعجون في قالب المثلث، فقلت في نفسي: ماهذه الورطة الجديدة…..؟! ………. لاحقاً وبينما كنا نجلس نتناول طعام السحور، أخبرت زوجتي بما طلبه الصغير، فابتسمت وهي تقول : لا تقلق ، أحضر غداً “المعروك” ، وقبل أن يراه الصغير، سأقطعه إلى مثلثات كالبيتزا..

أضف تعليقاً