_لقد قتلته سيدي الضابط
_لماذا قتلتيه ؟
_استباح شرفي واغتصبني
_بم قتلتيه ؟!
_بالسيف المعلّق فوق رأس الوعل .
كلما جنّ الليل، يتجهمها خوف كبير ، تشعرُ أنَّ أحدا ما يحاول مهاجمتها ، لا ترى ملامحه بوضوح ، له شكل هلامي غريب ، ظنَّت أنه مجرد كابوس سينتهي عند الصحو ، كلما غفتُ ، تشعر بيد تلمسها، تمر على جسدها كدبيب النمل ، ما أن تصحو ، يطوَّّقها رعب فضيع .. هجرت النوم ، وبان الهزال عليها .شحب وجهها الجميل ، لاحظ زوجها حالتها المزرية ، أُغلقت دون نفسها كل مباهج الفرح، خطى وجعها عبرت سلالم التيه صوب جنون قادم،.باغتتها الوساوس والأوهام حتى غدت حقائق تشاهدها عياناً ، تملَّكها رعب استوطن كل مسامة في جسدها .
دأبت تعتاش على الحبوب المهدئة، طاف بها زوجها بعد يأس على المعالجين النفسيين، كل طبيب يحرَّر لها وصفة طبية تختلف عن الأخرى، إزدادت حالتها سوءً ، الشبح الذي كان يقربها ليلاً أصبحت تراه في النهار أيضا.. رغم انكسارها وحياتها التي بدت غامضة لأسرتها .. جعلت زوجها ينظر إليها باشفاق، يبدو حائرا عاجزاً عن إيجاد حلاَّ لمشكلتها.
كلّما لمحتُ وجهها وهندامها في المرايا ، تجتاحها رغبة في البكاء..تراه يدخل إليها من خلل ثقب الباب ، يدلف كدخان أبيض ويتشكَّل أمامها على هيئة شخص ثلجي قادم من عصور سحيقة، شعره طويل ولحيته بيضاء تصل إلى صدره ،عيناه زجاجيتان تبرقان بوميض غريب، يشير لها بكفه أن( لاتخافي ) يسمع الزوج صوتها وهيَّ تصيح (اتركني ..اتركني أرجوك ) يضمها إلى صدره، يربّت على كتفها ويقول: (لا تخشي شيئا زوجتي الغالية ..أنا معك) .
يراودها شعورغريب بالكراهية لنفسها وللآخرين.. أصبحت لا تُطيق رؤية أحد، علمت أمها بالأمر . أبوها سخر منها ، يرى أن الحبوب المهدئة هي التي جعلتها تهلوس ويتراءى لها أشياء غريبة .
قررتُ أن تكون خرساء ولن تتكلم بشأن الموضوع ..غرقت في دياجي الصمت الذي يمتد لساعات طويلة ،القلق يسكنها كنجمة آيلة للسقوط.
بحور الألم تتجرعها بيأس مقيت ..لم يعد في الأمر متسع للصبر ..غادرت صمتها بعد أن طفح بها بحر الصبر . صرخت ذات ليلة في زوجها :
_اسمع ..أنا لستُ مجنونة كما تظنون ولا مريضة نفسياً .. ثمة شخص غريب يسكنني .. أشعر به يخترقني ويتغلغل في دمي .يوشوش في أذني .لايملُّ من التحدَّث معي.
_هل يعني أنكِ تعانين من.. مسِِّ شيطاني مثلاً ؟
_لا أعرف … أرجوك ساعدني….إني أعاني كثيراً.
تجهش بالبكاء ، يقف حائرا.. يتألم من أجلها .
ترمي برأسها على كتفه .وتنتحب بمرارة.
بعد يومين اصطحبها وأمها إلى عرّاف يعالج الممسوسين .أجلساها على بساط الشيخ الروحاني بانتظار طلته ..بعد لحظات يظهر الشيخ مرحًّبا بهم ثمّ يجلس متربعاً مسنداً ظهره إلى الجدار يحملق بها بطرف عينه ..ينظر إليها بإمعان فيما كانت شفتاه تتمتمان بكلمات لا يسمعها سواه ، لم يكن كبيراً في السن، كان شاباً يافعاً.. جرت العادة على تسميته بـ _الشيخ_ .طلبَ معرفة إسمها وإسم أمها..سمعوه يقول وهو يمسّد لحيته السوداء بأصابعه المليئة بالخواتم قائلا :
__الكشف عندي يقول… أن إبنتكم مصابة بمسِِّ من الجنَّ .
قال زوجها وهو يلملم ساقيه مقرفصاً :
__شيخنا ..لم أفهم ..من أين جاءها هذا الجنيّ ؟!
__ نعم.. إنه عفريتٌ من الجان .. يظهر للناس بأشكال وصور غريبة ..يؤذيهم وينغَّص عليهم حياتهم ..
قالت له أمها متسائلةً :
__شيخنا الجليل ..نرجو مساعدتك ..عالجها لنا ..وإن ُشفيت من علّتها ..ستكون لك الحلاوة والهدية التي ترضيك .
تبّسم الشيخ بعد أن رمى بعض البخور في المبخرة القريبة منه :
__تمام ..سأعالجها…ولكن على إنفراد في غرفة خالية من الناس … لن يدخل أحد معنا كي لا يصاب بأذى ..عفوا.. إن أسمها ليس غريبا ّعني؟ ضحكت الأم وقالت بانبهار :
_نعم شيخنا …زرناك قبل سنتين ..لفتح القسمة وعلى يديك تزوجت ..ابتسم وهو يرمق الفتاة بنظرة ذات مغزى ثم قال :
أنا خادمكم سوف لن نختلف على الأتعاب ..أجلبوها لي عصر الغد ..سأخرج منها العارض بإذن الله .
شرعَ الشيخ يعالجها في الغرفة المنفردةا لتي يقتطعها من مسكن عائلته.. يمدّدها ويقرأ عليها أدعية ويرطن بكلمات خليطاً من العربية ولغات اخرى ..وكان يصيح بين الفينة والأخرى :
__أخرج منها ..أخرج أيها اللعين .
دأبت تصطحبها أمها في تلك الجلسات كل يوم … تجلس في الصالة مع بعض من يأتي لمراجعة الشيخ .. في تلك الليلةالسابعة .. دخل الشيخ عليها .أوصد الباب كعادته وأطفأ النور ..اضجعها فوق بساطه الوحيد قائلا لها :
__إنها الجلسة الأخيرة.. سأختمها بخروج الجنّ أو حرقه إذا عصى ولم يخرج من بدنك .. ستشفين نهائياً..ستعودين كما كنتِ إلى حياتك الطبيعية ..الجنُّ كائن ضعيف نستطيع أن نهزمه بكلمات الله التامات
_شكراً شيخنا ..الله يحفظ أولادك.
ما أعطاها الشيخ (الشاب ) من بخورات وطلاسم وماء.. أستحمت فيه على مدار ستة ايام مضت حسب تعليماته ..في هذه المرّة شرعَ يقرأ كلمات ليس فيها من العربية بشيء ، معظم الأسماء التي يتلفظ بها .. تنتهي ب(طيش) شعرت بعد أن أعاد الكلمات أكثر من مرة، أنها تكاد أن تفقد الوعي .. راح يسألها هل (تشعرين بخدر في جسمك ؟ ) فلم تستطع اجابته لثقل لسانها ..بدأ بعدها يمسح على جسدها بخرقة خضراء ..يمرّرها بهدوء على رأسها ثم على رقبتها ومن ثم على صدرها
..يسحبَ قطعة القماش ويشرع بتمسيد ساقيّها بروية ولسانه لا يكّف عن الترديد
شعرت براحة تامة وهو يمر على أجزاء جسدها بأصابعه..فجأة أحست بثقل أصابعه وهو يضغط بها أسفل بطنها ..تململت قليلاً .. فتحت عينها ورمقته بنظرة توجس ..نظرة تقدح شررا جعلته يتراجع إلى الوراء محاولاً تدارك الموقف الذي أربكه قليلا .. زمَّ شفتيه وهو يقترب منها شيئاً فشيئاً ويباعد مابين فخذيها ..أحسَّت بعد قليل أنه يلتصق بها ..سمعته يلهث والكلمات تتبعثر من فمه كرذاذ رجل مخبول . صرخت ، فوضع كفه فوق فمها وأخذ يصيح :
_أخرج أيها اللعين ..أخرج منها وإلاّ أحرقتك بنار السموم..أخرج وإلاّ سلطتُ عليك ملائكة العذاب ؟
ذهبت محاولاتها بالتخلص من قبضته سدى ..فقد دبَّ الخدر والوهن في كل مفصل من مفاصلها، شعرت أن قوة خفية تكبَّلها وتقيَّد حركتها .
بعد قليل غادرها الوهن فتراجعت تزحف وهيَّ تلوذ بالجدار ما أن اقترب منها حتى باغتته بركلة على صدره ، تقهقر إلى الوراءمسندا ذرعيه قبل أن يرتطم رأسه بالبلاط.. لم يليث أن نهض وعيناه تقدحان شرراً.. انحنى عليها وبرك بجسمه الضخم فوقها..جاهدت في أن لا تمنحه ما يريد ، فلم تستطع ، تهاوت دفاعاتها وارتخت ساقيها ، للحظات رأته يسحب عجيزته العارية ويقف منتصباً بانتشاء ..ضغط على زر الإنارة ..توهج ضوء الغرفة ضارباً بخيوطه الكابية على وجه وعل ذي قرون طويلة يتوسط الجدار، ينتصب فوقه مباشرة سيف كبير معلّق بسلسلة فضيَّة ، فيما اصطفت على جانبي الرأس قطعٌ من جلد الغزال نُقشت فيها حروف مسمارية داخل مربعات كثيرة .
وفي الجدار المقابل عُلقت أوراق صفر كبيرة نُقشت عليها طلاسم بحجم كبير.
قطَّب حاجبيه متصنعاً الغلظة والجدَّية وهو يشير إليها بسبابته محذّرا :
_اسمعي ..إياكِ أن تبوحي بما حدث بيننا ..وإلاّ سأدمرُ حياتكِ .. سأعمل ضدكِ بسحر يهودي لافكاك منه فيما لو تفوهّتِ بأي بكلمة …..مفهوم ؟!
قبل أن تخرج من الغرفة ،عادت إلى الداخل كأنها نسيت شيئاً..بعد قليل
خرجتُ تلهث ، تجرجر خطوات منهكة ، ترتجف .. ألقت نظرة مليئة بالسخرية صوب الجالسين .. رمقت أمها بنظرة حزينة وخرجت.. تبعتها أمها في الخارج وصاحت بها (ها يمة ..بشريني هل أنتِ بخير الآن) لم تشأ أن ترد عليها ..كانت تريد أن تقول لها عمّا حصل خلف الكواليس المظلمة في محراب الغرفة المقدَّسة .. ولكنها عدلت عن ذلك والتفت نحو أمها ملقيةً عليها نظرة غريبة أجفلتها :
_لقد قتلته يا أمي ؟
_قتلتِ من.. لم أفهم؟
_ العفريت ..يا أمي !