لم يرتح بعد..لازالت الخطوة الاخيرة قيد الانجاز، ولن تتم إلا عندما يمسك بطاقة التعريف بين انامله، ويرى عليها اسمه الجديد الى جانب صورته القديمة. حينها سيطلق زفرة ارتياح عميقة، طويلة، عريضة، وينطلق في خطواته الاولى مع اسمه الجديد.! اما الآن فلازال امامه وقت للانتظار، الى ان يسمع النداء باسمه، ويحين دوره. لهذا تنحى جانبا في ساحة بناية الدرك، بعد ان سلم الوثائق الضرورية للحصول على بطاقة التعريف، مبتعدا عن زحام الصف في جملة المنتظرين، على مقربة تمكنه من سماع صوت الدركي المنادي بالاسماء. قرفص على ركبتيه، مستكينا، يداري شعور رهبة تنتابه كلما وقف غريبا امام بناية كهذه.! في اعماق نفسه كان يستعجل مرور الوقت لإنجاز هذه المهمة الثقيلة، كي ينصرف الى حاله ويرتاح من تلك الرهبة الطفولية التي تدهمه في زحام لايطيقه، دون ان يستطيع شيئا سوى تصنع الصبر وتجنب الاحتكاك بالزحام، ولو كلفه الانتظار النهار كله. وليس له غير ذلك، وإلا لما احتاج ان يغير اسمه، ويبدل بطاقته القديمة التي تحمل اسمه القديم، بعد ان سنده زوج اخته التي أوته لما هجر دار والده، وألحت على زوجها في مساعدته للحصول على الوثائق الضرورية، بعد ان اقتنعت انه لن يتعايش مع اسمه، ولم يخل الامر من رشوة، هي التي ياما لطفت من دموعه وضمدت كدماته جراء قسوة والده الزائدة، قبل ان تتزوج.! لهذا كان يود لو انه يستطيع سؤال الناس المنتظرين في ساحة الدرك، عن أيِّهم يريد تغيير اسمه، عن ايهم يخاف من اسمه.!؟ عن ايهم يقفز هلعا حين يسمع اسمه، او تتسارع ضربات قلبه حين يقرأه مكتوبا.!؟
سينظرون إليه باستغراب، واستفهام، وربما استهجان، وقد يتفقدون اسماؤهم كما تتفقد كف ظهر قط أليف.! لكن سيعرفون ان اسمه القديم حسام، وسيزداد استغرابهم وهم يسمعونه يصيح :
– هذا الاسم يذبحني..هذا الحسام اسم من سيف على رقبتي كل لحظة.! وحين ينادي علي احد يتحرك حده على لحمي…!
قد يهمهمون فيما بينهم. قد يستفهمون، لكنهم سيواصلون الاستماع، لو حدث وجرؤ على الكلام، كما سيصير استغرابهم ممزوجا بشيء من الاستنكار لو سمعوه يقول :
– هذا جناه علي ابي…!
لن تكف عيونهم الملحة عن طلب مزيد من الوضوح، إلا إذا واصل قائلا :
– أبي سماني حساما..ولما خيبتُ ظنه، وكنتُ مجرد حديدة صدئة، ذبحني باسمي..!
ستندفع كلمة : كيف، من احد الافواه كبصقة، لكنه سيواصل قائلا، لو جرؤ على الكلام :
– أبي كان يؤمن أن القوة مفتاح النجاح، وارادني قويا، حادا كالسيف، لكني، انا الذكر الوحيد وسط دزينة من البنات، لم اكن كذلك، فخيبت ظنه. لهذا صارت خيبته لعنة علي، وعقابه كان يتجاوز خيبته بي الى خيبته بالاناث اللواتي لم يكن يرغب في ميلادهن..!
ستعلوا همهمة بينهم. ستعقبها علامات اندهاش، وهم يسمعونه يصيح، لو جرؤ على الكلام:
– لن تتخيلوا، ايها السادة، أن ابي كان يحرض اقراني على ضربي، وبكل قسوة، كي اتعلم الدفاع عن نفسي بالقوة والقسوة اللازمتين للعيش بين الذئاب كما كان يردد، لكني انا الحَمَل لم اكن إلا ضعيفا، بلاقرون. لهذا لجأت إليه، في البداية، لما انضربت، لكنه ضربني اكثر. فلم اعد اشتكي، صرت اعض على الضربات تحت جلدي واسكت، بل لم اعد اخبر حتى امي.! لكنه لم يتركني، بل طلب من الاقران، كما اخبروني لاحقا، ان يتركوا اثرا، ندبا، على جسدي، كي يوسع هو الندب الى جرح..!
سيصير استنكارهم استهجانا. لكنهم لم يستطيعوا شيئا، فما وقع وقع، حتى ولو جرؤ وصرخ بأعلى صوته:
– ابي سكن اسمي كجني اسود، لانه ارادني قويا مثله، وجعلني ضعيفا من حيث لايدري..!
لكنه لم يجرؤ يوما على الكلام امام جمع من الناس، بل لايستطيع حتى ان يحجز لنفسه مكانا في تزاحمهم، هو الذي يتجنب كل ما يدفعه الى الاحتكاك بالناس.! لهذا كانت ساحة الدرك قد خلت، حين انتبه من شروده، دون ان يسمع اسمه. وفطن انه كان ينتظر ان يسمع النداء باسمه القديم وليس الجديد الذي يسعى للحصول عليه، دون ان يشعر بذلك.! أيقن ان اسمه القديم لازال يترصده كما كان والده يترصد ضعفه، وان اسمه الجديد لم ينطبع بعد في ذاكرته، وإن كان قد انطبع على الورق.! لهذا ارتبك وتمتم وخفض بصره، وهو يجيب سؤال الدركي عن اسمه:
– إ إ إ إسمي حسام، لا لا لا، ااا اسمي س س سلام..!
– هيا، مع السلامة..حين تتذكر اسمك الحقيقي، عد الى هنا..!
قالها الدركي بسخرية مستخفة، ثم دفعه، وانصرف..!

أضف تعليقاً