بين وديان الحيرة وجدت الخنساء نفسها ذات يوم تجدف بقوة لتنتشل ذاتها من بركة العادات وأغلال التقاليد التي تكاد تعصف بطفولتها البريئة في زواج لا ترغب فيه وهي لازالت صبية يانعة في مقتبل العمر، أختها الصغيرة زفت لها الخبر بقرار الأب تزويجها من ابن شيخ القبيلة المتغطرس، فقد كان والده في زيارة للبيت واتفق مع والدها على تزويجها لابن الشيخ قبل موسم الحصاد، وإقامة عرس لا كالأعراس، والشيخ لديه ابن وحيد يريد أن يقيم له احتفالا لم تعرفه القرية من قبل.
كان الخبر كالصاعقة المفجعة يسقط على الصغيرة الخنساء، قطرات الحسرة تتصبب رذاذا على جبينها، دبت القشعريرة في جسدها النحيف وقد اِحمر وجهها غضبا على طفولتها التي تقف على ناصية مقصلة العادات والتقاليد، تكتم غيضها في داخلها حتى تخال أن وجنتيها ستنفجران دمعا حزينا، وصرير حنقها يكاديكسر أصابع يدها، لكنها كانت قوية الشخصية برباط جأش محارب وسط المعركة، جلست في ركن الزاوية وهي تستجمع طاقتها الداخلية لتخفي امتعاضها.. اِمتد نظرها يبحر بين متاهات أحلام الطفولة وهي كجبل جليدي يهوى قطعة قطعة في قعر المحيط، وواقع حالها المرير الذي يريد أن يغتصب طفولتها، تنظر نحو جبل الحلم عسى أن تلتقط خيط أمل تتشبت به يقيها من الغرق، كانت خيوط الحلم منسوجة من السحب سرعان ما ينحل نسيجها مع أول إشراقة شمس يوم ربيعي، تتساقط الأحلام تباعا كأوراق شجرة هبت عليها ريح الخريف تنبئها بنهاية فصل الحلم الطفولي، فصل الأقنعة البهلوانية الذي ارتدته أحلامنا ونحن أطفالا صغارا…
لم يتسن للأب المشورة معها، ولم يراعي حداثة سنها ونحافة جسدها، ولا حقل الأحلام المزهر التي اعتادت تشديب أزهاره كل موسم ربيع بعدما ارتوى من ليبقى يانعا يفوح بعطر أريج أحلام المستقبل..
كأخواتها اللواتي سبقنها، أحلامهن أغتيلت في المهد، الطبع ينتصر والأحلام توضع على مقصلة العادات والأعراف، مرت الأيام متساعرة وهالة تجتر حزنها وتنسج منه لفائف الحيرة قصائدا ترثي حالها الكئيب..كان فصل الربيع تنفس وأريج الزهور كرذاذ المطر يسقي القرية عطرا.. نصبت الخيام وبدأت الاستعدادات لحفل الزفاف الكل منتشي بالفرح إلا هالة وحدها التي امتنعت عن الابتسامة الطفولية الشفافة التي كانت ترافقها..
صخب وفرح ورقص وموائد بادخة، أهازيج الفرح وطقوس الهودج، كل شيء مر بيسر، وزجت هالة لبيت زوجها محملة بحقائب الحسرة والحرن الذي عمر كينونتها حسرة على اغتصاب أحلامها الطفولية.. عرض أقل
التعليقات

أضف تعليقاً