رأيتها … نعم رأيتها .. بعد عشرون عاما مرت كالسحاب .. لم ُتغير فيها أي شيء القدُ نفس القدْ .. الضحكة نفس الضحكة .. النظرة .. الحركة .. المشية .. قصة الشعر .. التسريحة الجميلة .. ” المكياج ” .. العطر الفواح .. ” ال ………….”
كل شيء فيها كما هو .. جميل لم يتغير .. وكأن القدر رتب لنا هذا اللقاء .. من بعد أن انقطعت الأسباب .. ويئست من رؤيتها .. وكدت أنساها .. إلا أنى اليوم رأيتها .. واقفة أمامي .. حقيقة لا خيال .. كما كانت تقف زمان .. في نفس المكان .. في تلهف .. وترقب لقدومي .. تنظر في الساعة ..وهى مرتبكة .. متوترة .. قلقة .. وخائفة من أن لا أتى لها .. في نفس الميعاد .. وفى نفس المكان ..وحين تراني قادم من بعيد تبتسم .. يااااه ..” لكم هي الدنيا صغيرة جدا “…
” التقينا ذات صباح على محطة القطارات.. وأنا أدرس في الجامعة .. وكانت تعمل في إحدى الإدارات الصحية .. مازلت اذكر هذا اليوم جيدا .. كانت الدنيا شتاءً .. والشمس ساطعة .. والجو بارد ,. لكنه كان جميل .. والصقيع يغلف الأشياء .. وما انفكت الذاكرة .. الضعيفة عندي أحيانا .. تحتفظ بنسخة واضحة وقوية .. من كل تفاصيل حكايتي معها .. كل شيء مازال كما هو .. وكأن الزمان عاد للوراء عشرون عاماً خلت ” … اذكر حينها قالت لي .. : ” أنها تغرفني جيداً .. من قبل أن تراني ..وبأنها تعرف عنى كل شئ .. حتى أدق التفاصيل عن حياتي الخاصة “.. وكانت معلوماتها صحيحةُ ودقيقة جدا للغاية .. وقالت أيضا ..” كنت أتمنى أن أراك وأتعرف عليك من زمان “.. ذهلتُ لقولها .. وعبثا حاولت .. أن استفسر منها .. عن مصدر معلوماتها .. واستوضح ألأمر أكثر .. وان اعرف سر اهتمامها بي .. ولما كل هذا الاهتمام المبالغ فيه تجاهي ….؟ فرفضت أن تخبرني .. واكتفت ببسمةٍ ساحرةٍ مزروعةٍ على شفتيها الرائعة .. وفى عينيها بريق , ورعد , وبرق وصواعق قاتلة ..وبدأت الحكاية من هنا .. وبدأت اخذ عليها .. تدرجيا ..وبدأت نفسي ترتاح لها .. .. اراحت يدها في يدي .. ورأحت تتسرب بداخلي شيئاً فشيئا كإكسير للحياة , وأخذت نتتشعب , وتتكاثر , وننقسم .. كخلايا بكتيريا إلى ما لا نهاية في كرات دمي السابحة في شرييني .. وعرف حبها طريقا إلى قلبي .. الذي كنت قد أغلقته من زمنٍ بعيد .. وكتبت علية لافتة ” مغلق للصيانة والتحسين “.. وبرغم أنى كنت محتاطا جدا وحذرا.. من أن أقع في شراك الحب .. فالحب في وجهة نظري .. ضعف .. ومذلة .. ومهانة .. ما بعدها مهانةٍ .. ولا أحبُ أن أرى نفسي .. في هذه الصورة المزرية المهينة المؤسفة ..وهذا الموقف السخيف .. لذالك كنت أخاف.. وأهرب .. من أي عيون جريئة تقابلني .. وفلسفتي في الحياة وشعاري .. ” ان الحب .. ــ وذلك من وجهة نظري الخاصة طبعاً ــ أكذوبة كبرى .. من صنع الإنسان .. ليبرر بها أغراضه .. ونزواته الحيوانية الدنيئة “.. الا أنى أخيرا وقعت في المحظور .. و ضعفت أمامها .. واستطاعت بجيوش جمالها وانوثتها الطاغية أن تغزوني الي ابعد نقطة في سويداء القلب .. بجدارة فائقة .. وتحتل عرش قلبي .. بجرأة تحسد عليها .. وسقطت كل قلاعي وحصوني المنيعة .. أمام جيوش انوثتها وفتنتها … على طريقة ..الواحدة تلو الأخرى .. وراحت تتقدم إلى ابعد نقطة في سويداء قلب .. لتعسكر بفتنتها .. في كل كرات دمى .. وتحتل كل كياني .. أنا في البداية قاومت .. نعم قاومت .. وبكل قوة .. وشراسة المقاتل والمحارب النبيل .. لكنى وبصراحة فشلت .. نعم فشلت فشلا زريعا .. وانهزمت .. هزيمة نكراء .. أمام امرأة ليست ككل النساء ..وكأن الله قد جمع فيها كل فتنةٍ للنساء وكل مكرٍ ودهاء .. امرأة استثنائية غريبة الأطوار وعجيبة .. تخلع القلب واللب بفتنتها .. وخفت ظلها .. وسحر جمالها الطاغي .. فهي بجد امرأة لا تقاوم …. امرأة تفوق الحد والوصف من وجهة نظري .. روحها جميلة و صافية وجزابة .. مرحة .. مثقفة .. تمتلك قدرة فائقة .. في تحوير الكلام .. وتحويل الحوار في اي اتجاه .. ذكية جدا لدرجة أنها كانت تقرأ.. ما يدور في راسي .. من قبل أن تكلم معها .. ذكائها غير عادي .. تراها تنتقى كلامها .. بدقة وعناية فائقة .. هالتها النورانية تتسرب الي أعماق ألأعماق .. وتنفذ شيئا فشيئا كحبات الضوء التي في عينيها وكعطره االفواح الأخاذ .. ممرات القلب والعقل ..
في البداية .. لم أصرح لها بشئ .. اما هي فقد صارحتني بحبها ليّ .. على الرغم أنها سألتني أكثر من مرةٍ .. وتلح علي في كل مرة أ، كنت أحبها ام لا ـ ” أ تحبني ” .. وكان السؤال صعب .. وأصعب منه الأجابة بالنسبة لي .. وكان سؤالاً جريئا مثلها .. تهربت منه كثيراً .. وكنت في كل مرة تسألني.. .. أ تصنع أنى لم اسمع شيئا.. فتعيد على سؤال ..وهي تلح علي وتستحلفني ان اجيبها .. فألقيت عيناي على الأرض .. صمتُ برهة .. فأعادت عليّ السؤال من جديد .. وبطريقة أخرى .. تختلف .. ” أتحبني مثل ما انا بحبك ” .. ثم امسكت بيدي .. وقتربت مني . حتي حسست بحر انفاسها وهي تلفح وجهي .. حينها انهرت .. وأجبتها بقبلةٍ علي خدها التفاح .. وانا اقول لها ” اجل , اجل ” واعترفت لها بحبي .. وشرحت لها لماذا كنت اتهرب منها .. وأسهبت .. وأطنبت .. وذيلت كلامي بقبلة ساخنة طويلة .. أودعت فيها مشاعري .. فضحكت .. وقهقهت .. ومالت وانعدلت وأخذت تطيح بيديها في الهواء .. ورجعت للوراء في انتشاء وانشوة .. حتى كادت تسقط على الأرض من الأنبساط .. وراحت الأيام تمر وتتوالى سريعا .. وكنا نلتقي تقريبا شبه يوميا .. نتجاذب أطراف الحديث نتفلسف , نتحاور في كل شيء .. ثم نلعب ونلهو ونضحك .. دون أن نأبه بأحد .. ولا نألو على شيء .. حتى الذي كان يرانا .. لا يشك لحظة واحدة بأننا أقارب .. أو أحباء .. أو أخلاء… وأنا تارك لها نفسي .. وعقلي .. وقلبي .. لكي تتصرف كما تشاء …. وراحت تضغط على أزار مخفيه بداخلي ..لم يحن الضغط عليها بعد .. وتعزف على أوتارٍ حساسة .. وتضيء بداخلي كل المصابيح المطفأة .. وتفتح كل النوافذ المغلقة .. وتعبث بكل مفاتيحي .. لتغير كل خرائطي التكوينية .. حتى صرت كطفل صغير بين يديها .. لا يحب النوم الا على صدرها النافر .. ولا يستطيع الاستغناء عنها .. حتى جاء اليوم الذي فوجئت فيه بأنها كانت بتلعب بيّ .. وبأنها كانت غادره . خائنة .. تعشق رجلاً أخر”لا لا بل كانت متزوجة برجلٍ أخر ” يال الهول”.. وبأنها امرأة مطلقة وليست عذراء كما كنت أظن .. ومعها طفلان .. وتبحث عن كبش فداء ليس إلا .. كي تضرب به طليقها .. وتنتقم منه وترد له القلم الذي اعطاها ايه وهو انه قد تزوج بصديقتها .. وتركها .. وكانت تخبأ كل ذلك عني ليلتها حين علمت ذلك لم أنم .. وبت بأسوء ليلة وأشرها .. أعاتب نفسي حينا .. وحينا أوبخها .. وأعنفها .. وأخذت أفكر , وأفكر , ضاربا أخماس في أسداس .. وتارة اضحك وتارة أخري ابكي.. وأهذى .. واكلم نفسي .. كالمجنون .. لحد ما طلع الصباح .. ثم اتخذت القرار النهائي بيني وبين نفسي .. أن اتركها , وأنساها .. واهرب منها , واخرجها عنوة من كل ذراتي .. ونبضات قلبي .. وأنفاسي .. حتى ولو تطلب الامر .. بانها لو لم تخرج الا بروحي .. لأخرتها .. ورحت ابعد عنها .. وانسل .. وأخالف طريقي .. حتى لا اراها ثانية ..فأحن اليها .. واضعف .. وانشأت علاقة مع امرأة اخرى .. لعلى وعسى ان انساها .. وجربت كل الطرق .. والوسائل الممكنة .. والغير ممكنه .. لا تخلص منها .. لكنى فشلت .. نعم .. أعترف .. فشلت فشلا زريعا .. فهي صارت بالنسبة لي .. كالإدمان .. اما هي فكانت تطاردني .. في كل مكان .. اتواجد فيه حتى انها كانت تأتيني في اليقظة والمنام .. و ترجوني ان اسامحها .. فكنت اقاومها .. واهرب منها .. حتى تعبت .. مرضت .. مرضا شديدا .. وذهبت لا كثر من طبيب .. وبعد الكشف والاشاعات .. والتحاليل .. قالوا لي ” ليس بك اي شيء .. مرضك غير عضوي .. انت مريض نفسيا .. ” .. عندئذ ادركت .. انى لا استطيب البعد عنها .. وبانها قدري المبرم .. والمحتوم .. فقررت ان أرجع لها .. ارتبط بها مدى الحياة .. مهما كانت التكلفة ومهما كانت الاسباب .. وليكن ما يكون اخبرتها بذلك .. في البداية فرحت جدا .. ثم ما لبثت ايام حتى غير رأيها .. وبدانا ندخل في دوامات .. من المشاكل .. وبدئت تقابلنا العراقيل .. والمشكلات والرسميات .. وصدمنا بالواقع المرير .. لكنى وعلى الرغم ان اهلي رفضوا هذا الارتباط .. ولم يوافقوا عليه أو يباركوه .. الا انى صممت وقررت.. الهرب .. معها الى مكان ما بعيد .. وليكن ما يكون .. وعرضت عليها الامر .. فرفضت ثم أعطتني قسيمة الطلاق .. وهويتها .. وقالت لي ” هيا بنا نكتب الكتاب في المحكمة .. او عند أي محامى ” رفضت وبشده .. ثم انقطعت عنى بعد ذلك .. ولم اراها ثانية .. فأخذت ابحث عنها وأفتش في كل مكان .. واسال ألأهل والجيران .. وأسأل كل من يعرفها .. لعلي أقف علي خبر .. اعرف مكانها.. حتى عرفت بطريق الصدفة المحضه .. انها قد تزوجت .. في بلد بعيدة .. من انسان اخر غيرى ..لا اعرفه ولا يعرفني .. قالوا..” أغراها بالمال .. وأغدق عليها ببذخ .. فوقعت فيه ووقع فيها .. وانجبت له ثلاث اطفال .. وأما أولادها من طليقها .. فقد أعطتهم لأ بيهم .. وهى التي كانت.. تحارب من اجلهم .. وتتمسك بهم لدرجة الجنون..قد تخلت عنهم ” وتخلت عنى انا ايضا .. وبكل سهولة ويسر .. وابت ان تكون لي ..
وها هي اليوم .. واقفة أمامي .. تكلمني .. واكلمها .. بشحمها ولحمها .. لم تتغير .. ولم يغير الزمان فيها شيء .. نفس النظرة .. الضحكة .. الساحرة .. و البريق الذى كان يشع من العينان .. ذكاءً وفطنة قد انطفأ ..لكن الوقفة .. نفس الوقفة المشية ..الـ………
ودار بيننا حوار .. مقتضب .. وقصير جداً .. وراحت تسألني عن حالي .وأحوالي .وأخباري …. وحياتي بعدها كيف كانت .. وان كنت قد تزوجت ام لا ….. وانا ايضا سالتها تقريبا نفس الاساله وكان كل هذا امام .. مرئ ومسمع من الناس .. وكأن الزمن قد عاد الى الوراء عشرون عام .. وهى تقف تكلمني ..ولا تخشى احد..ولاتألو علي شيء وانا واقف امامها .. غير مصدق انى .. رأيتها مرة أخرى .. وعقلي .. وقلبي .. وروحي .. انطلقوا يسبحوا في الفضاء بعيد .. وكدت أطير في الهواء .. لفرط سعادتي بلقائها .. ونسيت .. المكان .. والزمان .. حتى أنى نسيت نفسى … و ……………….” .
- مقطع من نون النسوى
- التعليقات