بمكان مسيطر في المقهى جلس الأستاذ شامل واضعاً أحـــدى رجليه على الأخرى، وبين يديه الجريدة اليومية، تعلو هامته صوربالأبيض والأسود، وأمامه طاولة مربعة ضيقة المساحة تتصارع على رقعتها بعض الكتب، وبعض الأقداح والأواني لمشروبات متنوعة.. قرب النافذة المطلة على الشارع، الذي تتخلله بنايات ومحلات عدّيدة. يجاوره رفيق عمره وصديق حـله وترحـاله، معاً كانا يشــقان عباب بحر الصباح، ويرسمان بفرشاتيهما القادرة خيمة الليل وهي تحتوي الأشياء، يتناوبان على كسر جمود المكان، وترطيب الأجواء بالذكرى المحببة التي يضفيان عليها حبكةً متجددة، يطالعان في الكتب وهما يستمعان لأغاني الماضي الجميل كما يصفه الأستاذ شامل، وعندما ينفد كل ذلك، وتخفت طاقتهما، يترصدان ما حولهما بدقة عالية لا تساويها كاميرا رقمية حديثة، كان الأستاذ شامل يترصد منذ مدة شاباً ثلاثينياً، يرسل شعره اللامع على كتفيه ويفتح قميصه بشكل فاضح، يُظهر قلادة فضية تحيط برقبته، أما أصابعه فتلتف حولها خواتم بأحجار ملونة بشكل مبالغ فيه، وفي ساعده سوار جلدي…
يسميه الأستاذ شامل صعلوك المقهى، يرى فيه ما لايُحمد والمدار لتقضية ما يفضل من الزمن الضائع.
حانت لحظة الخروج من المقهى، عندها ذكّر الرفيق رفيقه بأنه هو من دفع ثمن المشروبات لليومين الفائتين والدور عليه الآن.
استغرق الأستاذ شامل وقتاً لا بأس به ليُسعف بتذكر ذلك؛ بعدها أخرج محفظته ليستل منه عملات محلية، في تلك الأثنـاء دوّى انفجار كبير، أدى إلى تكسر زجاج نافذة المقهى الكبيرة، لم يبقَ في المقهى أحد ما، فقط الأستــــاذ شامل ورفيقه منبطحان تحت كراسي المقهى، ثم وفي لحظة أمان ترجلا ونفضا عن الملابس التي يرتديانها التراب وبادرا بالخروج من المقهى بهدوءٍ حَذر.. تسحّبا وهما يلتفتان يميناً ويساراً حتى وصلا إلى مكان الانفجار البناية العالية التي تقابل المقهى، دققا بذهــــــول وفم فاغر ليريا صعلوك المقهى يحمل فوق كاهله أحـــد المصابين من هناك ثم يعود مهرولاً إلى داخل المبنى.. حصل عندها إطلاق نار عشوائي جعلهما يسرعان بألية عجيبة، مبتعدينِ عن ذلك المكان وكوارثه.
وقفا ليسترجعا أنفاسهما ويمسحا صدغيهما قال الأستاذ شامل:
– كلا.. كلا.. يجب أن أعود الآن إلى هناك!..
– ماذا… ماذا تقول؟!.. هل أنت في وعيك؟!.. قال رفيقه..
عندها عاد الأستاذ شامل وحيداً هــذه المرة، تسحّب وهــــو يدخل المساحة المحددة لأرض الخطر، حتى وصل إلى المقهى، فدلف إليه، ثم بدأ يدقق في أرضيته التي ينتشر فوقها ركام ومخلفات ما تحطم من جراء الإنفجار.. التقط محفظته التي سقطت من يديه لحظة الإنفجار، بدأ بمسحها مع زفير حـــار ينفثه صدرهُ التعب رفع نظره، ثم اقترب من النافذة المحطمة الزجاج، كي يعرف من الشخص الذي يحمل على الأكتاف.. كان هذا الشخص هو صعلوك المقهى مُضرّجاً بالدماء، يُمر به من المبنى المهدم بشكل كبير.
- مقهى نفحات الماضي
- التعليقات