مازالت ذاكرة الطّفل المتيم ..محتفظة بكلّ ما جرى في الطّبيعة العذراء ،.بمرابع الطّفولة ، زمن العنفوان ، إيمانا منه بأن ما تمنّه البريّة وما تمنّه حواء سيّان ! ومنها حكاية الغجرية ” تركية ” ..الأدماء العاتق ..البدوية ..الفتية ..الضّامرة ..التي صبّ عيها العلى سحر عشتار !وحيدة ذلك الرّجل ..الذي يتّمته الأسفار ، وكانت تقصّ شويهاتها.. كلّما أشرق صباح باسم وأطلّت من خدرها غزالة ثاغرة ، والعصافير البريّة تتنقّل من شويحة خضلة ..بلّلها النّدى إلى عرفجة متهدّلة ! وبعفوية الطّفل الخجول .. كان يلوي إليها معرّجا وهو في طريقه إلى مدرسة البرواق ..أين تعلّم فن الإلقاء لنصوص مقرّرة..تمّ إختيارها ..لكتّاب وشعراء أنجبتهم البوادي.اعتراه أمر ما ..فترجرج قلب برعم لتوه ، لذلك كانت تتراءى له أسطورة ربّانية أعدتها أنامل السّماء !غانية بحسنها وبشويهاتها ..التي تزركش الخضرة !من نظرة عابرة..إلى أن تناسلت بأوردته تباريح الشوق ، وشغلت الفتى راعية ..بكلّ بساطتها !كتمها ولن يبوح لها بما يدور في خلد طفل تنبّأ بتعلّقها !ويبحث عن خلّة ..يسحق بها وحشة القفر ، وعلى غفلة تحرّكت أوتار مشاعر لا تعرف للهوى رنة ..(والأرواح بواشق ترفرف في الفضاء )

لذلك كانت كلّما مرّ تهرع بفستانها المهلهل ..تتأبّط حملها تومئ له فيدنو بحبور ! تبتسم ..فتتجلّى حبّات الكرز من وراء شفتيها وتطلّ فلجة ناصعة وتنفلق جلنارة على وجنتيها ! يدقّق في محيّاها بعين الطّفل ..الذي غرست فيه البوادي معنى الدّلال و الجمال ، يشعر بقشعرية تتسرّب عبر فرائصه ، وليس بمقدور فك شفرتها ، ..تطبّ يدها المخضّبة في جيب سترتها المعفّر بالذرور ..تفتح محفظة الشّوالق وتخبّئ قطع الحلوى المزركشة بين دفاتر وأقلام ، وتضحك من عينيها فتنبت أجنحته ،..فيعجب بحسن كاعب أنجبها الغجرعنوة في القمر !ووجهها المتهلّل يرفرف في نجيعه ..يلاحقه في السّهل وفي المنحدر.. إلى أن يلجّ الحجرة شارد الذّهن .. دون تركيز ،وفي الرّسم الحر ..يرسم مروجا زاهية ..مخضرّة ..تعجّها القطيع السّارحة ..و على سفح التّلة تتبختر غجرية راعية ، تحدّق فيه سيّدته مليّا ثم تزبرج به الجدار ! يبتهج ..يرى قمرا في عزّ الظّهيرة ، يمرق قلبه عصفور عائد إلى وكنته ..في كنف الغروب .. قبل أن يدق الجرس !تحمله الرّيح إلى بقاعها التي تيّمته ! لقد إزاد تعلّقا بأرض القفار وأدمن في الخلاء لحاظها وأدمنته سرّا وعلانية..تنتظره جيئة وذهابا على المجمر !ليروي لها وتروي له ، ولا ريب قد نابهما رسيس الهوى ..واستحالت وامقة لطفل كان يومئذ لا يفهم في الوجد معنى !ولا يعرف عن الأميرة ديانا.. ولا حادثها المؤلم.. مع خليلها دوري ولا زليخة ..امرأة العزيز ، ولا هتيكة مونيكا ..الأمريكية الغجرية ..اليهودية الغاوية ،إنّها هبة الفلاة التي زهت بسخائها ورقّتها كلّ البطاح ! وتمادى الطّفل الذي عادة المرور بها في غدو ورواح، وأحبّ من أجلها أعشاب البراري ، وكانت تمازحه مزحة العشق.. وتحمّلها بقصد محمل الجد !ويتمسّك الطّفل بطهارة المطر ، ويشهّر سلاح قدرته وإرادته في وجوه عساكر سحرها وغمزتها ..المسروقة من فيلم غزلان ..لبطلته البدوية .. سميرة توفيق وهيئة البدوية ..المتجذّرة فيها !ولا ريب أنّها أحدثت زلزالا ، قد يكون ضحيّته الطّفل الذي تزيّ بزي يوزار سيف، لأن العقل والهوى متوازيّان وقد لا يلتقيّان مهما إمتدّت المسافة ..(بلغة الرّياضيات) !وحمّلها الجريرة أو شفبيرها ، لأنّها هي من فتحت شبّاكها لعصفوره الّذي ربّما قد كان ولوعا بشبابيك آخرى ! وليس بإمكان طفل لا يعرف من الدّنيا إلا قنص القوبعات وتخريب الوكنات ..حين يضحك الرّبيع أن يخمد جذوتها المتأجّجة !ويتعلّم السّباحة في بحر ..أعدّ للكبار ، هي من غيّرت وجهة طفل ..، أعتق الكروان لأجلها وخرجت من حياته عصافير برّية كانت ترفرف في دمّه ! واستحالت لعينيها الأرض الحطيبة جنّة .. يحفّها النيروز من كل جهة !ويسطبر المتيم لفريدة تترصّده كلّ ظهيرة لتمنحه إبتسامة قاتلة .. وتكسّر بمحيّاه الجميل رتابة لا تطاق ، أحرق شوالق الرّثة ..التي كانها ..حتى تراه الرّاعية الغجريّة في أبهى التّأنّق ! ولا يد للشياطين في أحلام طفل.. لا يعرف ما يريده الرّجل من المرأة والذكر من الأنثى.. إلا ما تفضي الزّهور إلى الزهور ..أوما تقبّل النّعمانة أختها !على نيّاته ظفر عمن تقتل وحشة البرّية ، دون أن يلطّخ شرفها أو يرمي بها على حواشي الخطيئة والرّذيلة ! واثق ..رضع العفّة من قصائدالعشّاق الأولين وأخبارهم ، من ابن أبي ربيعة وعشيقاته إلى توبة وليلى الأخيلية ، وهو في عمر الزّهور ، في حين أنّه يقرّ بالغوص في بحر سرابها حد الغرق ،.. ، مازلت أتذكره كيف كان ينهض مع البكور، على غير عادته ويغتسل بالماء الأجاج ، ويتعطّر على غير طبائع أطفال الدّشرة ،ويسري من أجل أن يراها تتخطّر على النّواوير بين الرّبى ، .. ، وينطلق صوبها .. يخرق حقول القمح ، تماشيه محفظة طاعنة وهراوة عرعر يستعملها سلاح ، يهشّ بها على كلاب الرّحل الضالة ..ترعبه وهي تكشّر عن أنيابها إزاء كلبة وابلة .. ، ،يلوي إلى الّرّاعية في المراعي الزّاهية.. ونور الصّباح.. قد لاح ، ترمقانه عينا الحباري مليّا وتطلق العنان لبنان الجبنة لتفتش محفظة أكل عليها الدّهر ..تتكرّم كعادتها ، يلتحق بالرّفاق ليصل على على غيّاب سيّدته .. ! وعاد الطّفل المتيّم يطوي الأميال طيّ، وحطّ كعصفور عثر على قوبعته ..التي لم تقرق !لم تصدّق وابتهجت من من أعماقها وراحت تحدّثه عن عنزتها الرّقطاء ..الهزيلة والتي إنقضنت عليها الغربان حية ! ومع نهاية القصّة ، جلجل الرّعد مسبّحا لله .. ولاح البرق من جهة الظّهرة، واستهلّت المزنة قطرات ..قطرات ، فطوّقت الغجرية هوسها المسكونة به ! متغلغلة وانعطفت به إلى أطلال بيت يعجّ بالحمائم البرّية، ، وتبوّأت وإياه غرفة أعدّتها الطّبيعة لإخفاء الرّذيلة ! بقصد التّواري على سهام البشر و ووقع المطر ،وبمناكب البيت المهجور حفّت الشويهات ..ملتوية الأعناق ..لتحمي هي الأخرى سخالها ! وراح الطّفل الولوع يقصّ تشكيلات الصّيب.. التي سرقت من لوحات بيكاسو جماليتها ! وتلك الحانية تلتصق به ..مرتعشة كسنونوة داهمها القتر عندالمغيب ! تضع رأسها بدؤابتها السّخية ..على نحر طفل يحلم أن يتزيّ بجميل ..و أن تكون له بثينة ..لا ماري تضطجع للضواري .. ولا مريولة ، لينتصر على الخنا ..الذي قد يسكن بفعله غياهب الجحيم !الذي يتناسل بجبروت شهوتها ، والكون يعلم ما أنزل زليخة إلى الحضيض ! إهتداها فأحسّ برعدة قد سرت ..وقشعريرة ترمي بشرارتها بكل أنحاء جسمه ، ذلّت وشهقت شهقة الفرس ! لكنّ نقاوته التي رضعها من قطيع النّدى ..لجّمته رغم الغواية ، يتحدّى مفاتينها ..خلوتها ..سنبلها الذي تضوّع وطيبها ، حطّت يدها كعصفورة ترتعد على خاصرته ! لم يشعر إلا بحرارتها رغم الظهيرة الباردة نوعا ما بفعل الماطر ، تجرّأت وأخذت قبلة حارة.. دون إرادتها وإرادته ! وتتمنّى لو يكون بداية الغيث قطر ، تأمّل وجها كبرتقالة ..لم يدر ما نابها ..للأبله الذي كانه ، لم يفهم واختلطت عليه الأمور.. واستحى أن يصدّها ..وفي الآن انتوى أن يعرض عنها ! راودت ..ألحّت ، لكن لا نصيب في طفل لا يعرف إلا ولع العصفور وهدم وكنات الطّيور ، وتبخّرت أمانيها كمزنة .. تلاشت ..زخّات زخّات ..قرأ خيبتها حين لملمت أشيائها وتوشّحت مضمحلّة وذرّته ..وأرضت غاضبة ..مشمئزّة بعدما نهنه ، شاحت بوجهها الغضوب عنه ..رمت يدها السّخية في جيب سترتها ، وهو ينتظر الحلوى بطمع كعادتها، لكنّها شحت هذه المرة نتيجة برودته ، ولم تخرج الحلوى المزركشة لكنّها أخرجت مكّالة الهلال ، دسّت رفعة تحت شاربها.. فالأمر عادي عند بنات دشرته يبومئذ .. والغير العادي عندما شمرت حبرتها ودسّت أخرى من الجيهة المحظورة !ولا عرق ينزّ من جبينها ، لم يصدّق ولم يفهم الطّفل السّاذج ..وأصر على الوفاء للحسناء فيها.. ولم يزريها ولم تسبّب له أي إحراج ، وما يهمّه إلا المخالة وبعض الأنس ..الذي يقتل به غربة السّراب ..ويعترف في النّجوى بأنّها هي التي صنعت قفاره القاحلة واحات توزر وجنان أخضر ..تتغنّى به أسراب العصافير ، ولأنّه صدّها بقصد أو بغيره .. صار لا يعرّج إلا حين ترميه ريّاح الأشواق ، ومرّت الأيام مر الغمام ونجا بسلام ، ولم تبق إلا الذّكريات.. كأثغاث الأحلام، وشاء وترك دشرته مع أيلول وأبتلعته المدينة ! بكل تأنّقه الذي كانت وراءه محلولة العرى ، وأطيافها تماشيه، أدمن المدّاح وهناك أيقن زفاف غجريّته التي راحت ضحية تغنّجها وتخطّرها إلى هجين الدّشرة ، المائق ..الوغد ، هبة له من والدها ..، الذي رأي منها ما رأي !لم يزل الطّفل ..الذي احتضنته المدينة متعلقا.. مادامت تقبع في دمّه ! ويستشرف بأنّها تتوق له رغم النّوى ، أو ما قال الشاعر ( وما الحب إلا للحبيب الأول ) هي من كانت به مأسورة ومسحورة ..هي من إنتوت أن تتنازل عن كبريائها .. إبتغاء لمرضاه ، وهو من أرادها بثينة ولا يرضى أن يصل ما وصل إليه ديك الجن .. ويموت عصفور غادة السّمان على الخيزران ! لكنّه ككلّ مرّة يكسّر جدار السلوة ..في كنف المدينة .. لشهلاء أرضعته رضاب الغزالة تحت زخّات المطر !ومازال يراودها الحنين ويراوده أيضا ! وهي سجينة أبله أتته مكرهة ، وتمرّ أيام المدينة بطيئة رتيبة وينثر الشّتاء سبائخه ويعود الطّفل إلى ملاعب طفولته، أوردته تعرّج به إلى براري الصّبا، أين وجده بمشرعة الكلالة، إحتضنه وراح يسأله ببلاهة.. إن كان هو من منحته الغجرية جوهرتها ..التي لم يجدها في تلك الليلة ..التي لم يصدّق بأنّ الغجرية بدلالها وجمالها صارت ملكه دون محبّة ودون عناء ! فأقرّ ببراءة الذئب ، فصدّقه وشكره وانثتى إلى قربيه المحفوف بالسّدرة ليقصّ له ما فعلت فيه المدينة ، ووالدته تترقّبه على أحر من الجمر ! وأتهم بعض الجحاش البشرية من أسرى الغريزة ، الذين لا يفكرون إلا بأنصافهم السّفلية ! لا عذراء تسلم من دونية حرّاثهم.. الذين جبلوا على الخطيئة ! ورعاتهم الذين رفع عنهم القلم بحكم أعراف وتقاليد بالية ، ، لذلك منحها والدها إلى أحد سفاسفهم جزع العار ! تطلّ من الرّواق ..فهي لم تزل هيمانة ، كسّر الطّفل جليد غربة المدينة الجاثم على صدره ..وقسطا من العياء ، وانحدر لأطلال البيدر .. ليتنزه في الطّبيعة الضاحكة.. رغم الجو البارد ! أراخي تخور ..هديل وصهيل ..نباح ونقيق ..حجلة مقمقت وأخرى طارت وقطاة حلّقت.. أتان تاهت وبكرة شردت ! وبعد أن ملأ تلافيف دماغه بهذه الأسطوانة التي أنجزتها الطّبيعة ، عاد إلى مغناه ، فوصل على دعوته من جارهم للعشاء ، لم يعلّق.. وانتوى أن يلبّي برحابة صدر وبفرح ،ودار في دماغه بأنها هي لمّحت له بالعرضة ! بل هي التي خطّطت.. لتراجع قصّتها السّافهة معه تحت المطر !يوم أن كانت تتبختر بإنعتاقها ..مهرة في العراء ..لا سرج ولا لجام !ومع رذاذ الدّجى توجّه الطّفل يمشي رويدا ، دنا من خيمتها ، الكلب مغلغل، أومأت له فدلف من الجهة الشرقية ، فلم يلمح إلا الغجرية.. تشع كما عاهدها بين الرّوابي ! والظاهر أنّها حاكت له مهمّة بخيالها الجامح وأعدت حبكتها ، وأرسلته مدلجا إلى المعاريف ، وربّما لن يعود حتى انبلاج الفجر، وأنّها تعني وباليقين ، لم يصدّق الطّفل ..الذي طرّ شاربه بأنّه يتناول العشاء مع شهلائه الغجرية ..لم يصدّق ، وأنه شبه حالم.. بأنّها تتقرّب من مضجعه وجبائرها تخشخش ! لانت وللمرّة الثّانية في عمرها لتنزل من عليائها ..جمجمت ، واستهل القدر يكرّر قصّة المطر ! لم يزل شبّاكها ولوع بعصفوره..وعصفوره ولوع بشبابيك أخرى !لم يعرفها إنس ولا جان،حاولت ..تقرّبت بجذوتها المتأجّجة ..التي ذكّاها سواد العين ! وحياة الطّفل قدأعدّت بخصلات الأوّلين..الذين قرأ عنهم حال مروقه من مرحلة التّهجي ! نجحت في تخطيطها للأبله الذي نالها بأعراف ما أنزل الله بها من سلطان، وقتل الطّفل خيّانتها المبيّتة بسيف عنترة .! وهمّت بالإقلاع حين ملّت ! دارت بوجهها.. وأخرجت مكالة الهلال.. التي مازالت تطاردها كاللعنة.. وها هي ريمة تعود إلى عادتها القديمة وتدسّ رفعة …….. ، وتحدّثه في همس : هو من يبتاعها لي من سوق القرية ، لكن حذر.. فإنّه لا يعلم إلا بوضعها وراء شاربي ككل نساء الدّشرة ..

أضف تعليقاً