مستشفى الحسن الثاني،مدينة فاس،أكيد تعرفونه..ماذا لو أخبرتكم أن هذا المكان جنة.. ستضحكون ..لكنه جنة ..
لا لن أحدثكم عن المرضى الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في انتظار طبيب قد يحضر الموت قبله ،أولئك الملقون بين أروقة المستشفى..لن أحدثكم عن مشاهد المستعجلات حيث البقاء على قيد الحياة قد يكون مشروطا ب 20 درهما تمنحها خلسة لحارس الباب ..
لا لن أحدثكم عن هذا البؤس..سأمنحكم جرعة أمل وسأحدثكم عن هذا المكان باعتباره جنة ..
المشهد الأول..
المكان.. جناح أمراض القلب..الزمان..الثانية والنصف زوالا..يدخل الباب في هذه الأثناء رجل ستيني ،جلباب أبيض ،ولحية بدأ الشيب يغازلها ،مرتبة بطريقة غريبة ،أضفت على محياها وسامة جديدة أو لعله وقار مفرط.. ألقى التحية بابتسامة صادقة وبصوت عذب ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته “.. يلج الغرفة ،ثم يغادرها للغرفة الثانية ، ثم للغرفة الثالثة…أنهى جولته بالجناح وغادر..
انتابني الفضول لمعرفة من يكون ،استأذنت الممرضة في دقيقة ..
– أيمكن أن تخبريني من هو هذا الشخص ؟
– مجرد محسن..يحضر كل اثنين ،يزور جميع المرضى ، يدعو لهم بالشفاء ،وأحيانا يمنح 100 درهم لكل مريض فيغادر..
المشهد الثاني..
المكان..أسفل البناية د.. الزمان الثالثة زوالا من يوم آخر..أقف هناك في انتظار أحد ما..يدخل الباب أحد المرضى على كرسي متحرك تدفعه أنثى قد تكون ابنته..حاولت استعمال المصعد لكنه معطل..شاب ببنية جسدية قوية يتجه نحوهما..يمسك بالمريض ،رفعه فوق ظهره ببسمة عريضة ..وبنبرة صادقة خاطب المريض :” راك تقييل أسي الحاج ،مازال دك ودردك…” ..ضحك الجميع..صعد به الدرج والبسمة لا تفارقه..
لحظتها كان بجانبي حارس أمن البناية..
– من هذا الشاب ؟
– هو حارس أمن أيضا ولكن بالبوابة الرئيسية ،لكنه في حالة تعطل أحد المصاعد يتحول إلى مصعد يحمل المرضى إلى أجنحتهم ،لا أحد يطلب منه أن يفعل ذلك..هو اختار أن يفعل ذلك..كان بإمكانه أن يظل واقفا مرتاحا عند الباب لكنه يقول أنه لا يجد سعادته إلا في حمل المرضى ما دام الله مكرما إياه بشبابه..
المشهد الثالث..
المكان ..البناية ج ،جناح الدماغ والأعصاب..الزمان..الثانية و أربعون دقيقة زوالا من يوم آخر..شابتين جميلتين ،إحداهما ترتدي غطاء رأس والأخرى تركت شعرها ينسدل بطريقة جميلة..تبدوان في أواسط العشرين من عمرهما ،تحدثان بعضهما بمرح..كل واحة منهما تحمل كيسا بلاستيكيا متوسط الحجم ..تلجان الغرفة الأولى..تأخرا هناك لنصف ساعة.. تلجان الغرفة الثانية..تأخرا لنصف ساعة أيضا..ثم الغرفة الثالثة ونصف ساعة أخرى..ثم غادرا حاملين الكيسين البلاستيكيين ولكن كان حجمهما قد تغير ،تضاعف نسبيا..
انتابني فضولي العادي ،ووجدتني ملزما بمعرفة من هما هاتين الجميلتين..لذلك استأذنت ممرضة في دقيقة ..
– من هاتين الشابتين ؟
– هناء و فاطمة الزهراء..مجرد طالبتين تحضران كل ثلاثة أيام لتنظيف المرضى ومساعدتهم في تغيير ملابسهم وقضاء حاجياتهم..
بعض الملائكة اختاروا أن يعيشوا معنا هنا في الأرض..هذا كل ما في الأمر ..
