.. نظر الى ساعته، ثم نهض عن الكرسي. طاف بنظره الحديقة العمومية الهادئة المسترخية تحت حراسة عيون ضوء لاتنام بعد ضجة المساء، وقال:
– لقد تجاوزت الساعةالواحدة بعد منتصف الليل..ياه، كم مر الوقت سريعا، كأننا لم نقض سوى بضع دقائق.!
– نعم مجرد دقائق معدودة بعد هذا الغياب الطويل لأكثر من عقدين.!
أجبته وأنا أكتم قهقهة فاجرة تحاول أن تستغل حالة السكر لتتسلل عبر لساني.
– حقا بعد غياب طويل…
رد علي وأضاف بعد أن أخذ نفسا عميقا كمن يحاول سحب أكبر كمية ممكنة من الأكسجين الذي تنفثه أشجار الحديقة قبل أن يختلط بدخان المدينة:
– حقا إشتقتُ كثيرا الى البلد والاهل والأصحاب، لهذا ماإن لمحتك عادت بي الذاكرة الى الأمس البعيد، وانفتحت كل أزقة ودروب الذكريات البعيدة أمامي، وتذكرتُ ملامحك رغم مرور كل تلك السنين.!
– أهنئكَ على ذاكرتك القوية والحية، عكس ذاكرتي المثقوبة التي عشش فيها النسيان.!
قلتُ له محاذرا أن تفلت مني القهقهة الفاضحة العنيدة التي ظلت تحاول بإصرار أن تنزلق من فمي الى الفضاء علها تجد أذنا تأخذها بالأحضان..
– نعم يبدو أنك نسيت كل شيء تقريبا.. لكني لم أنس، وبقيت ذاكرتي قادرة على انتشال ملامحك من تحت ترسبات كل هذه السنين الطوال.! ربما حياة الغربة تشبه ثلاجة تساعد على حفظ الذكريات لتستهلكها حين تشاء. فحياة الغربة قاسية، لهذا يبقى قطران البلد أحلى من عسل بلاد الغربة..
– لا، ياصديقي..إذا كان بلدي لن يذيقني سوى القطران فعسل بلاد الغربة أحلى وأحلى.!
رددتُ عليه بقطع، بينما ظلت كلمة صديقي تتردد في دماغي وتستحث أكثر القهقهة العابثة التي صارت كبيضة على وشك الفقس في حلقي. أولعت سجارة بعد أن ناولني إياها ووضع أخرى بين شفتيه، وقلت بيني ونفسي:
( إنه صديقي لهذا اليوم على الأقل، فنحن كمثل هذه الدول التي تحكمنا: لاصديق دائم ولاعدو دائم إنما مصالح دائمة.! وفوق هذا هو رآني في ملامح صديق قديم لم يره لأكثر من عقدين، إلتقى به فجأة عند صدفة أجمل من كل المواعيد كما قال، ومثلت معه دور الصديق القديم الأعز الذي انبعث من ذاكرته، وأخذتُ إسمه، بعد ان تنبهت، منذ أول وهلة، الى أن صاحبي ثرثار في حالة من التداعي النفسي تجعله ينهمر بكل الذكريات التي ظلت محبوسة طيلة سنين. لهذا لم أتردد، بعد أن رفض تصديق أني لست الشخص الذي أطل من ذاكرته، في أن انتحل ملامح الصديق القديم مادامت تطابق ملامحي في عينيه المغشيتين بالتذكر الذي هو في كل مرة إخراج جديد لذكريات قديمة، ومادام قد سارع الى تزويدي بكل أسماء الإخوة والأخوات والأب والأم والحي القديم ورقم الباب وكل التفاصيل الأخرى.فأسرعت الى الإجابة بنعم حين سألني بلهفة لاتنتظر: أليس أخوك فلان وفلان وأختك فلانة..إلخ، مع إدعائي المتكرر بنسيان كل شيء تقريبا عن الحي القديم والأصحاب القدامى وأيام الصغر، ماعدا ومضات تذكر مفبرك بناءا على المعطيات المنهمرة من لسانه الذي ازداد انهمارا بعد خروجنا من البار ظلت تومض على لساني بين الفينة والأخرى.! لهذا كان علي أن أفبرك مسارا أدى بتلك العائلة الى مغادرة الحي القديم والمدينة الأولى للإنتقال الى هذه المدينة حيث إلتقينا بعد أن هاجر هو وعائلته الى بلاد الغربة. فكنتُ أمعن في رسم مسار أسود واختلاق وقائع قاسية، كي أبرر النسيان الذي طمر كالثلج كل الألوان في ذاكرتي. فيم ظللتُ استمتع معه بيوم مرفه على نفقته، بعد أن خرجت من بيتي كما أخرج كل يوم لاأعرف أي درب سيأخذ خطواتي.!)نزلت يده على كتفي برفق، فرفعتُ إليه رأسي، وقال:
– أين سهوت ياصديقي.!؟
– أفكر في قطران بلدي الذي صبغ ذاكرتي بمذاق لونه المر..أفكر في حليب أمهاتنا وكيف كان بطعم القطران لأن القطران كان علكة بين شفاههن..أفكر البلد قطرانا والقطران بلدا…
– لاتحمل هَمّا ياصديقي، ضعه في الشبكة ليسقط بعضه..ودع هذا اليوم الجميل الفواح بعبق الذكرى ينتهي جميلا، ينتهي بالعسل وليس القطران..
– لكن العسل ليس هنا، بل هناك..
– إن هذا اللقاء بعد هذي السنين الطوال عسل. ولهذا أشكرك جزيلا على هذه الرفقة الطيبة التي أينعت بالذكريات، في غمار حياة لاهثة.!
– بل أنا من عليه أن يجزل الشكر، بعد أن أحييت ذاكرتي وهي رميم. فأنت الذي تعرفت علي لأول لمحة، وأغذقت علي كل هذي الذكريات وهذا العطاء السخي.!
قلتها ونهضتُ بتثاقل عن كرسي الحديقة، محاولا تصنع أكبر قدر من الجدية أمام القهقهة العنيدة التي ظلت تراود خاطري، ومددت له يدي مودعا، ومصرا على العودة الى البيت مشيا على الأقدام في ليل هادئ رطب النسمات. فودعني بحرارة، بعد أن ناولني علبة سجارة ودس في كفي ورقة مالية حاولت كذبا أن أرفضها مدعيا أن الصداقة أغلى من كل شيء، لكنه دسها، ثم تركني ومضى الى سيارته، على أمل أن نلتقي ذات يوم لايستطيع اي واحد منا تحديد أجله.! نظرتُ بلهفة الى المبلغ، كان أكبر مما خمنت، فدسسته في جيبي، فيم بصري يتنقل بين الأضواء التي تبحلق فيَّ كعيون فضولية، وقلت لنفسي، بعد أن استرجعت إسمي ونفضتُ الإسم المنتحل:
– ترى أي شخصية سأرتدي في الغد، وأي إسم سأنتعل.!؟ الأهم أن يكون إسما معطاءا سخيا كهذا الإسم الذي كان رزقه في ذاكرة عادت من بلاد الغربة بعد طول انقطاع، فذكريات قوم عند قوم دارهم.!
وضغطت على الورقة المالية في جيبي، ثم أرخيت شفتي فاندفعت القهقهة المجنونة من حلقي وخرجت.. تركتها تملأ الفضاء، وسحبت قدمي في اتجاه مقهى قريب لايغلق ليلا.!
- ملامح من ذاكرة
- التعليقات