الشمس بزغت بانتشاء,بعد أن خلعت معطفها الأسود, وشعاعها أخذ يزاحم ذلك الوحش الجليدي الذي غطى المدينة, كان يعتلي أحدى أكوام النفايات, ومن حوله المتزايدين, وقبل أن يستفتح المزاد, بسمل وهلل وهو لا علاقة له بالدين أصلا,سحب نفسا عميقا,بجانبه إطار سيارة ملتهب, وريح صرصر تتغلغل أجسادهم الواهنة, وثيابهم التي اتسخ منها الثلج المتساقط,نادى عليه احد المتزايدون:
_يا ملك النفايات ,ألا يكفيك هذا الحضور,
نظر إليه والى ذلك الحشد بعينين جاحظتين حمراوين بسبب دخان الإطار قائلا:
_ما بالك ,الصبر جميل فتحل به ,دقائق ونفتتح المزاد,
بعدما تم المزاد احتضن نقوده موليا تجاه كوم خاص به غير ذلك المباع, وكعادته فتش مستخرجا قدورا معدنية متكسرة, ولدائن مهشمة ,وغير ذلك من المواد التي يأتيه ربح وفير منها, ذات يوم وهو ينفش كومه الخاص به وكأنه يذرو بمرواح شوكي ,فإذا بمرواحه المسنن يعلق بكيس كبير, رفعه, تأمله, حدّث نفسه وهو يبلع ريقه متلمظا لما يحتويه الكيس, فتمتم بكلمات محدّثا نفسه:
_نقود؟ اجل نقود.كنز؟, اجل كنز, نظر إلى الكيس بشوق, فتحه, كانت الريح قد اشتدت,تطاير بعض الأوراق, جلس عكس مهب الريح, شاهد داخل الكيس أوراقا كثيرة ودفاتر يعود تاريخها إلى ما قبل ولادته,
وبعد أن تشرنقت الشمس ملتحفة خلف تلال النفايات منزوية من قدوم عاصفة سوداء,حمل كيسه على ظهره تجاه البيت,وصل ومثل وحش كاسر دخل غرفته ,فتح الكيس ثم بدأ بالتهام الأوراق والدفاتر, كان اغلبها قصص قصيرة لكاتب وافاه الأجل, بادي الأمر أراد أن يحرقها ,ولكن حال دون ذلك جشعه الذي يكبر بمتوالية يومية وبتناسب طردي مع كرشه الآيل للسقوط, فاتقدت برأسه _الذي يشبه برميلا كبيرا_فكرة يستطيع من خللها الولوج إلى عالم الأدب بتقمصه أفكار غيره,في الصباح الباكر أوصى أخاه بالذهاب إلى مجمع النفايات حرصا على ذلك الذهب,بعدها حث الخطى تجاه السوق لشراء ما يلزمه من أوراق وأقلام,فقفل راجعا إلى البيت,بادئاً باستنساخ كل ما يحتويه الكيس من قصص,ناسبا إياها لنفسه,دخل هذه المرة إلى عالم الأدب الذي لا يعرف عنه إلا الشيء القليل يرسل بقصص تحمل هالة اسمه منتشيا لتأخذ طريقها للنشر وفي مجلات راقية جدا,كان مردود ما يكتبه أوراقا خضر تصله من هنا وهناك,فكرته كانت ذكية بالسرقات,شيئا فشيئا كثرت نقوده وسرقاته,وتضاءل عقله,أصبح يجالس أمثاله من سرّآق الأدب الرفيع,يلتهم كل ما يقع أمامه من أوراق,إن كان في مقهى أو شارع أو حافلة,أصبح عقله عبارة عن أوراق لغيره,زاد نشاطه ونضج أكثر من السابق,حتى أنه أصدر مجاميعً قصصيةً لتبدأ حياته بانعطافة مختلفة من ملك النفايات إلى ملك الأدب الرفيع المسروق,لم يكتف بذلك بل راح يشاكس الآخرين ويسخر من أدباء أجلّاء بطريقة أو أخرى محاولا التقاط كل ما يتكلمون به من أدب بأذنيه الكبيرتين كأنهما أذني(ماركوني), كذلك كان يزاول مهنته الأولى, حيث تراه مثل دجاجة تبحث في الأرض علها تجد بين الأكوام ولو حبة ..عفوا ولو ورقة واحدة, وهو في عمله الدؤوب فإذا بورقة مغلقة مربوطة بشريط اسود, ركض إليها مثل كلب مسعور يلهث عضها بأسنانه كأنها لحمة أو عظمة -نسيت انه جائع-فتحها بسرعة فوجد صورة الأديب الراحل , أحس بخيبة كبيرة وهو يرنو محدقا بالصورة, سرح بفكره ودخل الوهم إلى عقله الضئيل هامسا له:-إنك صاحب فضل عليّ,وأنا اشكر هذه المصادفة التي عرّفتني بك أيها الأديب الرائع,فأجابه الأديب زاجرا:
_اسمع أيها الصفيق الذي حولته النفايات إلى مستنقع آسن, لم أرَ في حياتي شخصا بمثل وقاحتك, إنك لست بأديب ,ولا تعرف أي شيء عن الأدب, لأنك لا تملك الأدب, اسمع لقد رفعت عليك دعوى في المحاكم وأخبرت عن كل هذه السرقات التي حرمت أطفالي من التمتع بإرث أبيهم,وسوف تقرا الصحف صباحا هذا أن قرأتها لأن الشرطة تفتش عنك الآن,أيها الأفاق الدميم.
وبعد أن سمع هذا القزم المتغوّل كلمات الأديب الراحل ,قرر أن لا يذهب إلى البيت أبدا,ويبقى في داره الأبدية القمامة.
- ملك النفايات
- التعليقات