كل ما أتذكره أنها كانت الليلة التي تسبق أول أيام العيد..لذلك بدوت غير قادر على استيعاب محتوى الرسالة أثر التخمة التي أحسها، كنت قد أفطرت للتو و أخذت مكانا على الأريكة المقابلة للتلفاز..اتكأت قليلا نحو الخلف لأجعل عيني على نفس ارتفاع التلفاز فما كانت لي قدرة على تحريك رأسي إلى أعلى وإلى أسفل أثر التخمة التي تصيبني بعد الإفطار..اعتدت أن أبقى على هذا الوضع إلى حين آذان صلاة العشاء..إلا أني تلك الليلة كنت مضطرا لتغيير وضع جسدي لحظة اهتزاز(فايبريشن) هاتفي الذي أتركه كل رمضان بالجانب الآخر من المائدة التي أفطر عليها..مددت يدي لرفعه محاولا أن أحافظ على وضعي إلا أني لم أصله فاضطررت للجلوس..رفت الهاتف، نظرت إليه بعين نصف مغلقة.. مجرد رسالة نصية قصيرة من رقم لا أعرفه..إلا أنها احتوت على ما ألزمني بإعادة قراءتها مرات كثيرة :
– عندما يصبح للحزن وللفرح نفس الطعم..عندما يصبح الأمل مجرد جزء من حكاية هذا الوجع..عندما نفقد الإحساس بكل شيء..حينها يجب أن ندرك أننا وصلنا لنهاية رحلتنا، حينها يجب أن نستسلم..أنا الآن أتواجد هنا بالضبط..هنا وسط هذه الفوضى ..هذه الفوضى التي حدثتني عنها قبل سنوات ثلاث، هذه الفوضى التي قُلْتَ أنك تعيشها فلم أصدقك..أخبرتك حينها أنك تبالغ..انزعجت أنت لأني لم أصدقك..ولكن ما اعتقدت أن انزعاجك سيصل درجة أن تختفي لثلاث سنوات..
لابد و أنها هي..كيف لها أن تعود بعد كل هذه السنوات، كيف لها أن تعود بعد أن اعتقدتُ أنها اختارت طريقا بعيدا عن ما أسمته هي بؤسا..بعيدا عن مبالغاتي..بعيدا عن فلسفتي الفارغة ومحاولتي تصوير كل تفاصيل الحياة على أنها جزء من حكاية وجع طويلة لن تنتهي إلا بنهايتنا..لماذا عدت يا منى .. آخر ما كنت أحتاجه هو رسالتك هاته، أما كان لك أن تترك هذا العيد يمر بسلام..؟
قذفت بالهاتف فوق الأريكة من خلفي..أخذت حماما سريعا وغادرت حاملا سجادة الصلاة..عُدت متأخرا جدا..الواحدة ليلا أو ربما الثانية صباحا ..كان الجو غير حار ولا هو بارد، لم يكن دافئا حتى..كان بين كل هذا..الأهم أنه كان الجو الأنسب لانهزم..
وحيد في البيت، الثانية صباحا، إضاءة خافتة، جو غريب، رسالة من الماضي..كل شيء يدعوني لأرفع هاتفي وأبوح بشوق أجلته لسنوات ثلاث..كنت أعلم أنها لا تنام قبل الفجر عند كل رمضان لذلك أخذت هاتفي من فوق الأريكة،وأخذت قلما من الدرج بجانب التلفاز.. دونت رقمها في قطعة ورق كانت ملقاة بجانب المائدة، أعدت رقنه في الهاتف مرة أخرى وضغطت الزر الأخضر..
– قد تعتقدين أني سعيد لأنك تتواجدين حيث كنت أتواجد أنا قبل ثلاث سنوات، قد تعتقدين أنه الوقت المناسب لأتبجح عليك بفلسفتي مرة أخرى، قد تعتقدين أنني منتشي بنصري وبصحة ما قلته لك لحظة اتهمتني بالمبالغة..لست كما تعتقدين يا منى..أنا مشتاق يا منى..
– وأنا منهارة يا عبدالسلام..
– أيامك صارت متشابهة إذن..أحسك..أفهمك..
– أسأل نفسي لماذا أعيش فلا أجد جوابا..يسألني الناس عن أحلامي، عن أهدافي فلا أجد جوابا رغم أن داخلي يجيبهم :” الموت”..
– الناس؟ أمازال بحياتك أحد؟
– صرت أراهم بملامح متشابهة، وبعضهم دون ملامح حتى..يرتدون الأسود فقط..ماذا عنك؟
– أعيش..
– رفقة أحدهم؟
– أنتظر أحدهم..تأخر جدا..
– لم أقبل أن تختفي لم كنت أعتقد أنه سبب تافه..آسفة بحق..
– هل أقبل أسفك بعد ثلاث سنوات..هل يهمك أن أقبل أسفك..؟ ما عاد يهم يا منى..
– أدرك أنك تكره الحديث عن تفاصيل الماضي..لكن أرجوك أحتاج أن أعرف، أحتاج جوابا..أخبرني لعل جوابك يجعل في يومي هذا شيئا مختلفا… من كنت بحياتك؟ ماذا كنت أعني لك ؟
لم تكن منى مجرد أنثى عابرة تجالسني لتقول صديقاتها أن لها حبيبا يكتب، ما اهتمت في يوم لتعليقات صديقاتها ولا رؤاهم، كانت مقتنعة جدا باختياراتها..كانت الأكثر تفاؤلا من بين زميلاتها، كانت أيضا الأكثر انضباطا داخل تلك الحُجرة حيث قابلتها أول مرة..فتاة في التاسعة عشرة تريدني أُن أعلمها الانجليزية ..
– لماذا تريدين تعلم الانجليزية ؟
– إنها لغة الألفية الثالثة..لا أعتقد أني سأتقدم في حياتي دون هذه اللغة..
هكذا كانت البداية..ثم بعد شهرين وجدتنا نغادر حجرة الدرس نحو موعد حب..اضطرت بعدها لترك دروس الانجليزية، قالت أنه لا يصح أن أكون حبيبها وأستاذها في الآن ذاته..كانت تخاف أن أركز معها وأن أُهمل زميلاتها..ما كانت لتقبل بذلك..كان قرارها هذا جرعة حب إضافية..
واليوم تسألني ماذا كانت تعني لي..لا أدري ما يجدر بي أن أقوله..
– ربما كنتِ أنا..ربما كنتِ ذاك الجزء الناقص مني..ربما كنتِ الوحيدة التي بمقدورها أن تهزم سواد حياتي…
– آسفة، لم أفهمك حينها..آسفة لأني اعتقدت أنك تدعي بؤسك رغم تواجدي بحياتك..اغفر لي زلتي أرجوك..
– سأغفر لك يا منى..سأغفر لك فقط إن غادرت نفسك..سأغفر لك إن استيقظت يوم الخميس عند الثامنة صباحا وأخذت قطار العاشرة..سأغفر لك لحظة أعانقك..
– مازلت مصرا إذن على ألا نلتقي بمدينتنا هذه..مازلت مصرا على أن تحتفظ بهذا السر لنفسك..مازلت مصرا على أن مدينتنا لا تصلح للحب..
– فاس مدينة تكره أن يمشي في أزقتها العشاق..تحب المجرمين أكثر..
– مكناس إذن هذا الخميس..
– عيدك أنا آنستي..
- منى..
- التعليقات