(1)
حلبت بقرتها مساء، ورمت بعض حبات القمح لدجاجاتها، وأحكمت إغلاق الباب… طهت لنفسها بيضتان، وملأت إبريقا شايا، اتصل بها ابنها ليطمئن عليها وعلى أحوالها، أخبرته أنها بخير، وأنها اشتاقت له… كان ابنها الوحيد غادر القرية بعد عطلة العيد، يعمل شيئا ما بالمدينة، ولم تسمح له ظروف العمل العودة للقرية بعد، لكنه وعدها أنه سيأتي حين تسنح له أول فرصة وأغلق الهاتف… على الطرف الآخر، ألقت هاتفها جانبا، وتوسدت لتنام، فكرت في ابنها، تريد أن تزوجه، وراحت تفكر في من ستكون عروسة ابنها من فتيات الدوار… غرقت في خيالها وأفكارها إلى أن نامت… في صباح يوم السبت، حاولت أن تتحرك فلم تستطع، كان سقف الغرفة ملقى عليها بالكامل، حاولت أن تتذكر ما وقع، وأدركت بعد مدة أن بيتها سقط، وأنها الآن بين الركام، صرخت طالبة الإغاثة لكن صوتها كان أبعد من أن يصل لمسامع الناس… قاومت لساعة إضافية لكن قوتها خارت، واختارت لنفسها عالما غير العالم الذي نعيش فيه… حضر ابنها، وجد الناس قد أخرجوها من تحت الأنقاض وكفنوها، لم تكن الشهيدة الوحيدة بالدوار،.تحامل على نفسه وتحمل مشهد رؤيتها وهي على تلك الحال، لم يستطع أن يصلي الجنازة واقفا، شعر أن جبلا سقط على قلبه على حين غرة كما سقط بيته…
وقف قبالة البيت حين تم الانتهاء من الدفن وبكى… تذكر صباه، كان يحبو هنا، ثم صار يمشي بضع خطوات ويسقط، تذكر أمه وهي تطعمه،وهي تلبسه،وهي تغسل له،وهي توقظه، وهي تعلمه، وهي تربيه،وهي تنصحه… يستحضر كل شيء وهو يبكي، لاشيء يفعله غير البكاء…
(2)
تجاوزت العاشرة بثلاث سنوات وبضعة أيام، حازت الشهادة قبل شهرين، وكغيرها من الفتيات كانت لها أحلام، أرادت أن تكبر بسرعة، أن تكون طبيبة أو معلمة، أن تتزوج ويكون لها أبناء، أن تخرج والديها من حالة الفقر المدقع التي يعيشانها، تحلم بأولى أعوامها في الإعدادي كيف سيكون، تفكر كيف ستتأقلم مع فتيات دار الطالبة، كيف ستعيش بعيدا عن أمها، وكيف ستبدو بثوبها الجديد التي ستقتنيه يوم غد السبت من السوق الأسبوعي لأسني…
توسدت لتنام، ترى نفسها وقد كبرت، وحققت أحلامها البسيطة، ترى نفسها بفستان أبيض، تتخيل نفسها جميلة وتضحك… لكننا في كوكب دوار، لا يستقر فيه حال، ولا تنكف فيه تقلبات الليل والنهار، اهتزت الأرض تحتها واهتز معها قلبها، لم تستوعب ما حدث، وحين استوعبت كان الأمر قد فات، كان سقف البيت وجدرانه أقوى من أن يتحمل، فسقط على المسكينة وأحلامها… تقول أمها أنها تحملت، صرخت مرتين مستنجدة بوالدتها، كانت تعلم أن الأم ستهرع لتنقذها، يخيل للأبناء أحيانا أن الوالدين أبطال خارقون، لكن الأم كانت قوتها أضعف من أن تحمل جدران وسقف البيت، لذلك صرخت صرخة اهتز لها كل من سمع، وعني مازال صداها يدب في أذني لا أنساها… صوت الفتاة واستنجادها قد انقطع، حاول الناس انتشالها من بين الحطام، وحين أخرجوها كانت بلا روح، قد أسلمت روحها لخالقها وغادرت… لم يكتب لها أن تعيش حتى ترتدي لباسها الجديد، كتب لها أن ترتدي كفنا، الحلم الذي تحقق هي أنها ستعيش بعيدا عن أمها، لكنها لن تعود.

أضف تعليقاً