في صباك، مثل كل الأطفال، أحببت القطط… يقولون إن الرفق بها ليس له جزاء إلا الجنة !!
بَكَيْت بحرقة، ذات صباح بارد، حين ألفيت قطتكم ذات اللونين الأسود والأبيض، نائمة نوما عميقا، جراؤها، التي لم تفتح أعينها بعد، كل واحد منها يمتص ثديا. الجراء في حركة دائبة، والأم مستسلمة بلا حراك. سألت جدتك: – لم لا تتحرك القطة ؟؟
قالت بأن أحدهم أعطاها سما مميتا ففارقت الحياة… لم تفهم كثيرا مما قالت، لكن صوتها المتهدج، وعينيها الدامعتين، جعلاك تبكي بحرقة شديدة…
خالتك، الأخت الكبرى لجدتك، قالت:
– القطة اللعينة تستحق ما جرى لها؛ تسرق اللحم من غرفتي، وتأكل حمام الجيران…
كأني بك تسائل نفسك في حيرة: – من قتل قطتي؟؟
-خالتي؟ غليظة القلب، حتى جدتي الطيبة المسالمة المستسلمة لم تسلم من كلامها القاسي لأتفه الأسباب. -أصحاب الحمام؟ هل ذلك من حقهم، فقط، لأنها تأكل حمامهم؟!
بكل بساطة، ماتت القطة كما يموت كل الناس…
ماتت كما مات أبي وأخي الأكبر حسن وأخي الذي بعده إبراهيم… وبقيت أنا وحيدا.
ولماذا ماتوا؟!
في يوم قائظ من شهر غشت أكل أبي “دلاحة” قطعت أمعاءه، فحمله عمي، أخوه الأصغر منه، إلى مستشفى المدينة. تركه هناك، وعاد وحده… سألوه عن أخيه، قال لهم: الدايم الله!! مات!!
أبي دفنه أخوه، عمي، في مقبرة المدينة ونسي قبره!!
هل اختار أبي أن يموت، كما نختار أن ننام؟
قالت رقية ابنة الجيران:
– إن الموتى يسافرون بعيدا… بعيدا. وسيأتي يوم نلتقي فيه بهم !!
عمي قال إن الدلاحة” هي قاتلة أبي…
أمي قالت:
– إن الله يرسل ملك الموت عزرائيل ليأخذ من الناس أرواحهم، يحتفظ بها في السماء، ويترك لنا أجسادهم، نحتفظ بها في القبور تحت الأرض. وسوف تعود الأرواح إلى الأجساد في يوم موعود، يلتقي فيه الناس جميعا…
وقطتي؟ !
سوف نلتقي جميعا يوما ما ويخبرنا الموتى عن قاتليهم !!
بكيت على قطتك ذاك الصباح… ربما بكيت كل الموتى. الناس يبكون على أنفسهم لأنهم يخشون من ملك الموت الذي يأتي متسللا ويأخذ منهم أرواحهم، ويترك أجسادهم بلا حراك… ألا يعلمون أنهم سوف يلتقون مع موتاهم يوما ما؟!
بكاء طفل، لم يتجاوز الخامسة من عمره، على قطته أمر عادي…
في أعماقك أدمنت البكاء… كأن قدرك أن تبكي، وتديم البكاء… في رحم مكلومة تغذيت على مرارة الفقد، استقبلت الحياة باكيا، ورضعت بكاء وحزنا وشظفا…
أحد رفاق طفولتك بعدوانية زائدة يعتدي دوما على القطط؛ يكمن في زاوية مختبئا، حتى إذا ظهر قط أمسكه من ذيله، وضرب به عرض الحائط، قد يموت، وغالبا ما ينجو لأن القطط بسبعة أرواح. أحيانا يمسكه من رقبته ويعمد إلى مقص حاد يقطع به أذنه أو هما معا… لما مات رفيق طفولتك في حادثة سير، رأيته في بدلته الرسمية المرصعة بالنجوم، وضحاياه يحيطون به من كل جانب !!
قال لكم المعلم من يقتل غيره يعاقب في الدنيا والآخرة…
ما أكثر القتلة!! هل سيعاقب البشر الذين يعيثون قتلا، وسفكا لدماء بني جلدتهم؟؟ وقاحة ما بعدها وقاحة، أن يخنق رجل أبيض رجلا أسود حتى تخبو أنفاسه. لا لشيء إلا لأن بشرته غامقة اللون.
ألسنا نحن من عُلِّمنا بإصرار حكمة وقحة تقول : في اليوم الأول ” يموت المش”!!
صرخت بشدة حين سمعت ابنتي توصي حفيدتي ليلة عرسها مرددة على مسمعها:- اقتلي زوجك إن شئت، أما “المش ميمي”، لااااا !!

أضف تعليقاً