وجه السّماء غارق في التّجاعيد..
جِزَز من الشّيب تتناثر خصلات جدائلها التّائقة إلى اسوداد..
الرّيح تلهث خلف أسراب الطّيور المهاجرة تنشد حضنا يُنسيها صقيعا وجفوةً، وسياط جور وطن ارتمى في جليد..
يزداد لهاثها، أنفاسها مثلّجة كأنّما تنبعث من صدر ميّت..
فرائص الأشجار ترتعد، ترتجف، تنتفض، تودّ لو تفرّ من عقالاتها و ترفرف مثل سرب الطّير المرتحل بعيدا..
تتساقط وريقات أوهنها العمر ونوَت عنه تضطرب في الهواء على غير هدى ثمّ تتهاوى تلثم القاع وهي تتمتم:” لا فرار منك إلى غيرك يا أمّ..”
من مكانه القصيّ على مقعد مهجور في الحديقة العامّة، متّكئا على عكّاز خشبيّ مهترئ ظلّ يراقب ضجر الكون..
منذ ساعات حلّ بهذا المكان..
جدران المدينة باردة كالصّقيع..
شوارعها مثقلة بالخواء..
ضجّ بوحدته فأتى الحديقة يطلب هدأة..
كلّ أقرانه ارتحلوا..
بالأمس خلت منهم جيوب الحياة..
حارسا للرّسوم المؤذنة بأن تغدو طَللا ظلّ يسوس خطى الرّياح و في دروب السّماء المعتمة كنجم ما فتئ يجوس..
“أخانتك قواك فقعدتَ.. ؟”
رفع نظرات عميقة كبحر..
رآه واقفا بجانب المقعد المهجور، ممتدّا كالأفق، وضّاء كالشمس، باسما كالبدر، في عينيه عواصف و هواجر و نسيم ..
-من أين انبحست؟؟؟
ساءله الشيخ متعجّبا مستنكرا.
همس الشاب المبتسم :
-من فجر المدينة …
ردّد الشيخ و قوافل الحيرة تخبّ في ذهنه المكدود:
_هل حلّ فجر..؟ أم ذات فجر مضى..؟
-بل فجر ما انقضى .. حلّ و ما مضى.. خلف أحلام المدينة ظلّ يربض..
تساقطت كلمات الشّاب في أذن الشيخ كمفردات يلثغ بها سائح غريب نتوق إلى تواصل معه لكننا لا نفقه ما يقول… جحظت عيناه..
انهالت كثبان الوجع على وجهه تطمر أخاديد هدأة كانت منذ حين تتوق إلى رواء
تمتم:”عابر سبيل يسخر منّا..”
ثمّ أعاد نظراته إلى الوجه المبتسم يتفحّصه..
كسطح يمّ في صباح صيفيّ ألفاه هادئا، في نظراته تُعرّش خمائل و تشدو حساسين ومن ثغره الباسم يرفرف فراش ربيع لا يرتحل..
-من أنتَ..؟
-اسمي مُسيلمة.
-من أين أتيت..؟
-من الحيّ العتيق في المدينة.
-كيف تركتَه..؟
كان الشيخ يقذف بأسئلته في وجه الشاب عساه يتعثّر في جواب فتنكشف غربته عن هذه المدينة المفرَغة ..
سرح الشاب ببصره بعيدا في جوف المدينة، تورّد وجهه و انضرّت الكلمات، ردّد:” من بين جفنيه الحالمين تنبجس الشّمس كلّ صباح، تلعق بقايا عتمة اللّيل الثّقيل، تفكّ عقال الحياة، تنثر عبق المسك والعنبر، فينتشرون في الشوارع والأزقّة يحثون عن وجه العمر وعثاء هموم باتت العتمة تراكمها، يعزقون أديم الحلم و يبذرون بواسق العزم في بور الخطى..”
قطّب الشيخ جبينه ..
همهم غير مصدّق..
زفر ..
تمتم:” كلّ المدينة أمست خرابا يعانقه خواء.. فأنّى يكون في حيّها العتيق نماء..؟”
رمى بثقل الجسد على عكّازه و وقف ينوء بأثقاله ..
نظر إلى الأفق البعيد الغائم ثمّ التفت إلى الشّابّ الواقف إلى جانبه يومئ إليه أن “امض بنا إلى حيّك”
مَضَيَا..
نقرات العكّاز على االأديم القاسي تردّد ذات النّغم الحزين ، نغم الفقد والنّوى ووجع الحنين..
كان الشابّ يسير كأنّما يسبح في الفضاء، والشيخ يخال نفسه يحثّ الخطى و هو يستلّها كما تُستلّ الشوكة من العين، على مهل، بارتجافات و فيض من وجل..
اندسّت الشّمس في جراب الأفق ..
شرعت العتمة تضرب أوتادها في وجه المدينة..
بلغا الحيّ العتيق..
ما فتئت عينا الشيخ تجوسان..
لا حركة و لا ضياء..
غرز نظراته في وجه الشّابّ الذي بات قطعة من دكناء العتمة ..
همس الشّابّ المُعتم :”آبوا إلى مضاجعهم.. هلمّ إلى المنارة..”
تقفّى الشيخ خطاه دون أن ينبس بكلمة و صدره يجيش بضجيج الأسئلة.
ولجا المنارة، منارةً وحيدة على شاطئ مهجور ترثي انتثاراتُ نورها الخافت هديرَ سفن كانت تعانق ضياءها، و أناشيد بحّارة كانوا يسامرونه غير بعيدين عن الشّاطئ، و همسات عشّاق كانوا يستأمنونها على ترانيم الوجد و حفيف الأمنيات..
صعدا سلّما قديما ..
أنّت الدّرجات..
تأوّهت..
تحشرج صوتها و الأقدام تلامسها..
ثمّ أسلمتهما إلى غرفة الحارس..
جالت عينا الشّيخ في المكان.. هناك فراش كأنّ صاحبه غادره الآن، لا تزال الأحلام تلعق أطراف وسادته، بعض بقايا طعام تردّد تراتيل الحمد وكتاب وشمعة ..
تناول الشيخ الكتاب بيد مرتعشة..
قرأ العنوان “من يَسُوسُ الزّمنَ؟”
هزّ رأسه وهو يتصفّحه فلفحه الفراغ..
تمتم:” هراء..”
ردّدت جنبات الغرفة الضّيّقة كلمات الشّابّ وهو يقول:” أجل هراء.. فلا مجيب عن السّؤال.”
_بل هراء هو السّؤال.. الإنسان سائس الزّمان.. سائسه حتّى المشيب..
_سائسه حتى المشيب..! تحتكرون الأرض.. تُجهدون ركام الجسد فعلا وأنتم تدفعون به إلى دود القبور..
هوت الكلمات مطارقَ تَشُجُّ فكر الشّيخ المكدود..
رفع عينيه نحو الشّابّ الحانق فألفاه شبحا من عتمة..
دنا من الشّمعة يتوق إلى رفعها في وجهه، صفعه هواء بارد، سمع حركة كخفق جناح، التفت فما ظفر بغير الفراغ..
مختنقا في متاهة أسئلة حائرة ألقى بجسده المثقل بتعب عُمْر على الفراش وراح في سُبات عميق..
ارتجّ جسده لجلجلة جرس صاخبة..
فتح عينيه مذعورا..
جالت عيناه في الغرفة الضيّقة وانهال عليه دفق ذاكرة الأمس..
لا أثر للشّابّ..
جلبة وضوضاء كانت تتناهى إلى سمعه من كوّة صغيرة ..
جرّ جسده إليها.. مدّ رأسه يطلّ على الحيّ العتيق..
رآهم..
كانوا أسرابَ نمل يدبّون، ولدانا ما بلغوا الحلم بعدُ وفتيات مرهفات كزهر الياسمين، يرسمون على الدّروب والطّرقات نخلا وزيتونا وغارا وبرتقالا وتفّاحا وفستقا ولوزا ورياحين فرح..
مضى النّهار كهُنَيْهة حُلُم وهو يراقبهم يرسمون ويلوّنون ..
بدأت الشّمس تلملم جدائلها لتندسّ في خافق الأفق فهرعوا يتوارون خلف الجدران..
أسلم الشّيخ جسده إلى الكرى وفي الفؤاد تُقام للفرح بالحياة أعراس وولائم..
على جلجلة الجرس استيقظ ولهانا..
هبّ إلى الكوّة جذلا..
اتّسعت حدقتاه.. لا أثر لما أفنوا الأمسَ يرسمونه ويزرعون فيه الحياة غير بعض انتثارات خطوط وألوان..
رآهم ينتشرون، يعيدون ما امّحى، ذات الحركات يكرّرون بلا ضجر ولا ثورة غضب على هباء الفعل..
ظلّ يراقبهم متعجّبا.. أتراهم كانوا يعلمون..؟
قضم ستّة أيّام وهو يبيت على جنان ويستيقظ على قفر.. ولا أثر للشّابّ يفكّ طلاسم الحكاية..
ضجّ بالحيرة فصاح الفكر فيه:” هذه الليلة لن تنام..”
قضّى ساعات يجول في الغرفة.. والشّمعة توشك على أن تذوي..
تناهت إليه حركة كخفق جناح..
أصغى..
عاد الصّوت يتناهى إليه من الكوّة جليّا..
أطلّ..
ريح باردة لسعته وعيناه تجولان خارج الغرفة الضّيّقة..
رآه..
شبح مُعتم يحتلّ الدّروب والطّرقات فاردا جناحيه أفزعه، هبّ ينزل الدّرج يسابق خطاه..
تلاقيا في جنان الولدان..
شيخ أنهك العمر جسده وشابّ نهم إلى موائد العمر يتراشقان بالنّظرات..
الجناحان كفّا عن محو الجنان..
الشّيخ يصرخ: ما أنت فاعل..؟
الشّابّ يبتسم ساخرا..
الشّيخ يصرخ حائرا: من أنت؟ أنّى ذانك الجناحان..؟
الشّابّ يعانق ذات الضّحكة السّاخرة..
يصرخ الشّيخ مذهولا بالكشف: لأنت الزّمان.. أنت الزّمان..
يطوي الشّابّ السّاخر جناحيه.. يقف مصفّقا للشّيخ المُثقَلة خطاه بأنفاسه.. يردّد:
_من يسوس الزّمان يا شيخ..؟ من يسوسني..؟
_نحن…
_هممم.. وخفق جناحيَّ..؟ وخطاكم في الدّروب ممحوّة..؟ وولدانكم يعمّرون الرّسوم الدّارسة ويكرّرون ذات الفعل..؟
حاضر كأمس، كغد..
لاريح لتنامي كيان في خطاهم، في خطاكم..”
الفجر ينبجس من رحم الأفق الشّرقيّ..
الجناحان مطويّان..
وبعض جنان الأمس لا تزال نضرة باسقة..
الشيخ واقف شامخا يلوّح بعكّاز من عمر.. يخطّ بشيبته للولدان الدروب إلى كلّ أحياء المدينة المحدثة..
الزّمان يخشع للنبضات القادمة..
تصحو المدينة.