أربعون سنة مرت وكلما مر علوان على مقبرة الإنكليز ارتعد وابتأس واكفهر ، يتخيل هذا الصليب الذي يتوسط المقبرة بارتفاع يزيد على ثلاثة أمتار كأنه طائرة حربية تحاول الإقلاع لقصف المدينة لذلك خلع معطف الصمت الثقيل ونبش في أحد الصناديق المقفلة والمهمل منذ سنوات في إحدى زوايا الغرفة فعثر على كيس وأفرغ من محتوياته هوية الأحوال المدنية لأبيه ، ظل يحدق بالصورة الشمسية الملصقة عليها والتي غلب عليها الصفار فظلل بعض ملامحها ، الجبهة عريضة نوعا ما ، العينان واسعتان يختلط ظلال الجفن العلوي بالحاجبين الضخمين ، شفتان غليظتان بعض الشيء يعلوهما شارب كث تحت أنف واسع المنخرين ثم دس الهوية في جيبه ، التجأ الى المرآة _ حدق بها جيدا ً ، أبي – انتبه الى نفسه – انه يرى صورته في المرآة ، انتفض غاضبا ً وصرخ بوجه امه : –
– من قتل أبي ؟
– سقط المغزل من يدها وانقطع خيط الصوف ، أبوك مرض ومات .
– الى متى تخفين الحقيقة ؟ أبي لم يمت ، من قتله ؟
– قبل أكثر من خمسين سنة عندما حاصر الإنكليز مدينة العمارة من جهة نهر دجلة ، يقال انه دخل معهم خلق كثير من أجناس مختلفة .. انتفضت ْ بوجههم العشائر فهب أبوك معهم بغدارته يصول ويجول ويرتجز وقتل اكثر من عشرة انكليز أصابته رصاصة في صدره ظل ينزف ثلاثة أيام وبعدها 00نهضت ْ تتوكأ على ركبتين نحيلتين وهو يسمع نشيجها ..
– من ذكرك بذلك اليوم ؟
– أو َ أنس قاتل أبي

حمل علوان فأسا ً صدئة بمقبض حديدي طويل ، خرج من بيته باتجاه النهر، سلك طرف المدينة القصي بمحاذاة حافة نهر دجلة الذي يحيط بالمدينة ، كان النهر دون مستوى الأرض لانخفاض منسوب المياه بيد أنه سريع الجريان لشدة انحداره وخابط أميل الى الاحمرار وكأنه يحتوي على نسبة من دم مخزون ، بين مسافة وأخرى يحاول الصعود على حافة النهر ليبصر المدينة وكأنه يتطلع عليها لأول مرة ويواصل سيره ، يرسم خارطة المؤامرة في ذهنه – من هنا سار الإنكليز لمحاصرة العمارة وذبحوا الخنازير ابتهاجا ً ، قبل وصوله جسر المدينة الرئيس الذي يحاذي المقبرة والتي يسميها البعض حديقة الإنكليز أخذ استراحة قصيرة، كانت الحديقة / المقبرة عامرة بالأشجار الدائمة الخضرة تتوسطها دار الحارس قريبة من الصليب الذي يطغي على أكثر من مائة قبر ، كتب عليها بخط اسود أسماء القتلى الإنكليز، النهار ما زال ممسكا ً بقرص الشمس الواسع الذي يبدو متوهجا وقريبا جدا من الأرض ، الفأس على كتف علوان يشكل منظرها من أحد الجوانب مع جسمه صليبا غير منتظم ، فوجيء الحارس الذي انتابه شيء من الخوف : –
– تفضل ماذا تريد ؟ قالها الحارس يسأل علوان .
– أجلس للنزهة .
– هذه مقبرة وليست حديقة ، وأنا حارس فيها .
– حارس على الموتى ، تخش َ أن ينهزم أحدهم ، ألا ترى أن مقابرنا بدون حرس
– ضحك الحارس ضحكا مصطنعا .
– ألا تخجل من نفسك ؟ تحرس على الانكليز – أليس هم الذين قتلوا أبي وأباك ؟
صك علوان أسنانه ومسك الفأس بيدين مرتجفتين ، أجهز على شاهدة أحد القبور فتطايرت شظايا خرسانية متعددة ، أردفها بأخرى فسقطت شاهدة القبر وانشطرت الى نصفين غير متساويين ، كان مكتوبا عليها بلون أسود – الجنرال مولر – الحارس امسك بعلوان محاولا تهدئته وانتزاع الفأس :
– ماذا تفعل ؟ أبحث عن قاتل أبي .. أريد ثأري .
– هل تعرفه؟ هذه قبور مضى عليها زمن ، ستتعب بلا فائدة .
– من جاء بهم من بريطانيا الى العمارة! أوغاد.
– أخلاقنا لاتسمح بذلك .
– أنا ..أنا أريد تنزيل رتبة الجنرال ولو من الشاهدة ، سأقتلهم بطريقتي الخاصة
– كيف ؟
نصب علوان عمودا ً خشبيا ، ألبس العمود بنطلونا وقمصلة من الكابوي، جاء بكتلة من الطين وضعها على رأس العمود وعمل منها وجها ، غرس في النصف الأعلى من الوجه خرزتين زرقاوين كبيرتين تشبهان عيون الإنكليز ، وضع على الرأس قبعة ، خلع علوان ملابسه ، أخرج من صرة يتأبطها ثوبا قديما ويشماغا ، لبسهما ، تلثم ، أخرج هوية الأحوال المدنية لوالده من جيبه وسط دهشة الحارس ، أمسك الفأس بيديه ، هجم على التمثال صارخا بأعلى صوته .. الله أكبر .. الله أكبر ..كبّر معه الحارس وهو يصرخ ، هما يصرخان ، مات الجنرال مولر،أخرج صورة أبيه من جيبه ثانية ورماها في الفضاء ، حلقت ْ الصورة عاليا وهو يتابع صعودها ، بدأت تصغر شيئا فشيئا حتى اختفت بين الغيوم ، غادر المقبرة بهدوء بعدما اختفت ْ آخر ملامح النهار وكان بانتظاره سرب من النوارس عند حافة النهر …

أضف تعليقاً