..حل موسم الإنتخابات، وفتحت الدكاكين الحزبية أبوابها بعد إقفال دام ولاية كاملة، وسرت حمى غريبة كالوباء بين الناس. فازدحم المتسوقون باعة ومشترين في رحاب سوق الأصوات ، وعلت أصوات ” الشناقة” كما في عيد الأضحى على ماعداها من أصوات. فرحتُ أتجول، كغيري، بين الدكاكين الحزبية، و( اللي ما اشْرا يتنزه)، ومررتُ على دكان المصباح، والمصباح في زجاجة كان، وفي الزجاجة كان ضوء أسود..لكن أحدا ما وشوش في أذني قائلا: إن زيت المصباح من دماء المقهورين.! فأسرعت هاربا. ومررتُ على دكان الجرار، وأنا أنظر الى عجلتيه الخلفيتين الضخمتين، وفي رأسي ذلك المثل الشعبي القائل:( كل ما حرث الجمل دَكُّ)، لكن أحدا ما همس في أذني: إنه كائن مسخ، ألا ترى الفارق بين كبر عجلتيه الخلفيتين وصغر الأماميتين من جسده المشوه؟ فشحتُ عنه بوجهي، والتفتُ الى دكان الحمامة، لم يكن في صوتها أي هديل، بل نعيب كما من لسان بومة، وكان شيء في مشيتها يذكر بالبومة حقا، ومن فضلاتها تفوح رائحة المحروقات. لكن أحدا ما قال لي بصوت خافت: إنها ليست حمامة، بل غراب مُسخ مرة أخرى في هيئة حمامة، بعد أن مسخ في المرة الأولى غرابا لما توضأ باللبن، ويبقى المسخ مسخا حتى لو كان في هيئة ملاك.! فأدبرتُ مارا على دكان الميزان، فبدت لي كفتاه متوازنتان، وتوقفتُ أمامه قليلا.. لكن ذلك ال أحد ما شد أذني الغافلة وقال فيها: ليست المشكلة في كفتيه المتوازنتين وهما فارغتان، المشكلة في أننا لسنا سواسية أمامه، فلكل امرء وزنه، فلاتظن أن الذين مثلك ومثلي لاوزن لهم سيمنحهم هذا الميزان ثقلا، فلافرق بين عربي وعربي إلا في الوزن، والوزن وزن جيب أولا.! فهززت رأسي موافقا، ومشيت قرب دكان الوردة، دون أن يفوح أريج منها، كما بدتْ لي مرتخية كأوداج منتفخة في وجه ذابل، واستقر بصري على أشواكها التي تمددت وأخذت مكان الأوراق.. لكن ذلك ال أحد ما وشوش لي قائلا: إنها مجرد وردة خادعة، للإيقاع بمزيد من النحل، وغرف المزيد من العسل.! فلحستُ شفتي، ولم يكن عليها سوى الغبار، ومشيتُ قرب دكان السنبلة، فتذكرت الحصاد وحذوات البغال وهي تلمع بين سيقان القمح في البيادر والمذاري وهي ترتفع الى السماء ليذهب الريح بالتبن وتعود لتسقط حبوب القمح كمطر من غمام..لكن ذلك ال أحد ما ظل يوسوس في أذني وقال: السنبلة تقول لك أننا جميعا، أبناء البشر، كالحبوب التي تحملها السنبلة، كل حبة في مكانها وعند رتبتها وفي صفها صعودا من الأسفل الى الأعلى وبين صفوف الحبات تمتد شعيرات كالحدود الثابتة.! إلتفتُ الى دكان الكتاب، لكن ذلك ال أحد ما دفعني أمامه وقال ساخرا: إذهب أيها الأمي، أنت لاتعرف أن المغاربة، الذين لازالت الأمية تفرخ بينهم أجيالا من الجهل، لاينفقون إلا دقائق قليلة جدا على القراءة وأن الكتاب الآن كعانس لم يعد أحد يطلب يدها كما أن هؤلاء أنقلبوا قبل غيرهم على كتابهم.! فأصابني الملل، وضقت بالمكان الذي تسري فيه حمى كالسعار، وقفلتُ مغادرا من أمام ( كيوسك) حزبي صغير به أسد، فاستغربت أن لايكون الأسد على عرش عرينه، ليحشر في ( كيوسك) لايسعه، ومضيت..لكنهم أوقفوني، وطلبوا مني صوتي. فصحتُ في وجوههم أني ميت منذ زمن، وأخرجت لهم شهادة وفاتي. فصرخوا في وجهي:
– جميعنا أموات.!
وأخرجوا شهادات وفاتهم. وقلت لهم :
– الأموات لايصوتون.!
فردوا بعصبية:
– الأموات يصوتون.!
ثم أضافوا:
الأحياء هم الذين لايصوتون.!
فقلتُ:
– أنا حي إذن..!
وأطلقت قدمي للريح.!!
- موسم الإنتخابات
- التعليقات