..تملكه إحساس قاهر بأنه قضى ردحا طويلا من الزمن، يتجرجر وراء حمارين متعبين جيئة وذهابا، وليس وقتا قصيرا يقارب الساعتين فقط، قبل أن يخط المحراث السطرَ الأخير، ويغلق صفحة تلك القطعة من الأرض..كأن جزءا من عمره قد مر، وقربه من الشيخوخة خطوات أكثر، وليس لحظة فقط من صباح ٱخر في أيام الحرث المألوفة ! فالإحساس بالزمن ليس هو الزمن نفسه، الزمن الطبيعي، الأرضي، الذي له وجهان من نهار وليل، والذي يدور مع الأرض في مدارها حول الشمس، لينتهي من حيث بدأ، من نفس الصباح الذي يتكرر مع دوران الأيام على مدار الأسابيع. لقد كان يظن أن الزمن لايجري، لأنه يعلم أن الشمس لاتتحرك، بل الارض الملعونة هي من يتحرك، بل وتدور كرأس البومة؛ والإحساس به هو الذي يجري ويتدفق ويفيض ويندفع كتيار مائي على منحدر أحيانا، فتشعر وكأن ” الوقت يطير” رغم أن الساعة لازالت تحتفظ بنفس تكاتها وعقاربها ولم تُنبت أجنحة بعد، وأحيانا أخرى يأخذ الإحساس به شكل ولون بِركة، وتصير عقارب الساعة، عندما تمتد داخل النفس، أنابيب لتنقيط الوقت، فتشعر أن المسافة تتمطط بين قطرات من أجزاء الثواني، لتتمطى وتتثاءب الأمواج الراكدة على رِسلها، فلاشاطئ للبِركة، أي بِركة، بل إطار دائري فقط يشبه الغلاقة ! لهذا كان يخال نفسه قد قضى أياما، وهو يدب وراء الحمارين من مبتدإ الخط الى منتهاه، ممسكا بقبضة المحراث الحديدي الباردة، وليس دقائق فحسب. فكان يرفع عقارب السوط الذي في يده، ويلهب جلد الحمارين أكثر، كي تدور الحوافر أسرع فأسرع، حتى يخفف الزمن من بطئه الثقيل وهو يدب داخل صدره المتعب كسلحفاة لامبالية ! لكن حوافر الحمير لاتطير. كما أن خطوط الحرث التي بالإمتداد الطولي لتلك القطعة من الأرض، لايمكن تقليصها الى حد يطيقه نَفسه القصير. لهذا كان يدرك أنه سيقضي نهارا أطول من ساعاته المعدودة وأثقل..بعد أن قضى ليلا أطول، إقتطع من جفونه أوقاتا من أرق وأضافها الى ساعاته المعدودة كذلك. وكان نَفَس نومه أيضا قصيرا، بعد أن ضاق صدره عن الحلم منذ زمن، منذ أن اصطدم رأسه بسقف الواقع الواطئ والعنيد ! الإحساس بالزمن إذن هو المكان والإنسان، هذا ماكان يؤكده لنفسه، وهو يفكر في عشه، وفي زوجته التي أصبحت تطبخ الوقت فطائر من ساعات تستعصي على البلع، فمابالك بالهضم ! والتي كأن مَسّا قادما من المدينة قد أصابها، خصوصا بعد هجرة أهلها، وأضحت مستعدة لفعل أي شيء للحاق بهم، فتحول العش الى كومة قش وراحة البال الى إبرة ضائعة. خصوصا لما أيقنت أنها، ومهما حاولت طلاء المدينة والعيش فيها بأصباغ من جنات الأرض، لن تفلح في إغرائه وإقناعه، لأنه كان على يقين أن النعيم موصدة بابه دونه، وأنه منذور للجحيم، مهما غير المكان، لأن الفرق سيكون بين الدرجات فقط..على سلم الجحيم نفسه ! ولم يشك بالمرة أنه لن يستطيع انتزاع عشه من بين شجرة الأرض التي لازالت تستره، لنقله وتثبيته هناك بين أسلاك وأعمدة الإسمنت. كما لم يغب عن إدراكه أن ذاك الخلاف، سينمو الى شقوق، ثم صدوع، فتداعي..وانهيار محتم. وكان جنينُ قدرٍ ينمو أمام عينيه، دون أن يستطيع فعل أي شيء لتلافيه، خصوصا وأنه قطعا لن يهاجر، ولن ينزل عند رغبة زوجته مهما كان الثمن، والتي تبدو بدورها غير مستعدة للتراجع بالمرة، فمن يستطيع إجهاض أجنة من أقدار قبل أن تنولد غولا من قضاء لاراد له !؟ لهذا كان كل مايأمله تأخير أوان الولادة ماأمكن، تأخير أوان الإنفصال أطول وقت متاح، على الأقل بانتظار أن يكبر الأولاد أكثر. فكان يغض من غضبه كثيرا، ويتراجع عند تخوم ماكان ليتراجع عندها من قبل، بينما تمعن زوجته في العناد، وتندفع بتعامي أشد صوب الحافة، دون تراجع وكأن لاأحد يهمها مصيره، إن لم تتحقق رغبتها هي ! وهكذا صارت تنفذ وعيدها، ولم تعد كالعادة تعد له الماء الساخن عند عودته من الحرث، ولاتُعنى بتعليف الحمارين، كما لم تساعده في ذلك الصباح على تحميل الحمار بكيسي البذور والأسمدة، ونفضت يدها تماما من الحرث، مؤكدة أنها لن تمدها في الصيف ولو لحصاد سنبلة واحدة ! ورغم ذلك بلع غضبه كفطور غير شهي، كما بلعه الليلة السابقة مراعاة لمشاعر اولاده الخائفين، وذهب الى الحرث، كأن شيئا لم يكن. لكن أشياءا كانت قد صارت هناك، ومياه كانت قد مرت تحت الجسر؛ والتغاضي لايترك الإنسان راضيا، كما لايعيد الصفاء الى الوجه العكر ! لهذا كان يحس أنه قضى دهرا طويلا قبل أن ينهي تلك القطعة الصغيرة من الأرض، سلخ أثناءه ردحا من عمره أطول من مقاس الساعة، إذ كانت أقدامه المثقلة بحوافر الحمارين، مثقلة أيضا بغضب يرده العجز الى نحره، فكان السوط صنبورا يفرغ العنف الخام الراسب في نفسه على جلد ظهر الحمارين، كأنهما سبب كل معاناته ! لهذا أحس بالندم تجاههما، بعد ان نهض من استراحته القصيرة بين أحضان سجارة يعرف دخانُها مايصطخب في صدره، وطوى صور أولاده من خياله، مستعدا لتحميل الحمار من جديد، للإنتقال الى قطعة اخرى من الأرض أبعد قليلا..لكنه، وبعد أن أنهى حزم أشيائه على ظهر الحمار، إنفجر فجأة شك في رأسه حول ماإذا كان فعلا قد بذر تلك القطعة الأرضية التي سبق وحرثها؛ أم أنه، وفي غمرة إنفعاله وتوتره اللذين خيما عليه كضباب كثيف، ربط الحمارين الى المحراث وانخرط رأسا في الحرث، دون أن يبذر حبة واحدة ؟ أسرع الى التراب المحروث، وراح يقلبه بأصابعه، نابشا في كذا جهة، فلم يجد أية حبة مطمورة فيه، وأيقن أنه حقا حرثها دون بذور، ولم يفطن، الأمر الذي ماكان ليحدث له من قبل. فأدرك أن مياه مرت فعلا تحت الجسر، ولن تعود، وتهاوى على ركبتيه، دافنا وجهه في التراب البارد والرطب، وبه رغبة شديدة في البكاء !