رأه.. نعم لم يكن حُلمًا.. كانت الليلة الأخيرة من شهر رمضان المبارك.. خرج متخفيًا ودخل المسجد المجاور لمنزله، أسرع الطفل يراقب أبيه من نافذة حجرته التي تطل على الشارع.. لم يغبْ الأب سوى بضع دقائق، وعاد مهرولا يلتفتُ يمينًا ويسارًا.. في الصباح أعلن أمام المسجد أثناء صلاة العيد أن صندوق التبرعات فارغ تمامًا.. ترك الطفل الصلاة، وأسرع إلى حضن أمه ودخل في نوبة بكاء.. سألته: ماذا حدث..؟ أجاب في براءة الطفل الذي لم يصل لحدود الصبا: لقد سرق أبي الله.. أخذت الأم تضحك وتضحك، وهمستْ، وكأنها لا تريد أن يسمعه غيرها: هل أمسكوا به.
قال الطفل بعفويته: لا.
أجابته: هيا بسرعة، يجب علينا أن نخبر الشرطة بما فعله قبل أن يعود.
صرخ: لا.. لا.. لن أتركهم يسجنوه.
عاد الأب للبيت، وسأل الابن: لماذا لمْ تنتظر حتى نعود سويًا..؟!
ولما طال صمته، أجابت الأم وهي مبتسمة: كيف ينتظرك وأنت سرقت بيت الله، وأردفت: لقد رآك وأنت تتسلل مع الفجر وتدخل المسجد.
أخذ الأب يبكي ويبكي، ثم طال صمته قبل أن يخبر الصبي بالسر.
مات الأب.. وأصبح الصبي كهلا، واليوم يتسلل مع فجر الليلة الآخيرة من رمضان؛ كي يضع زكاة ماله كاملة في صندوق تبرعات المسجد، ويأتي من بعده إمام المسجد ويسرع به للبيت المجاور للمسجد؛ كي يفرغ ما بالصندوق في حِجر العجوز الكفيفة التي لم تنجب.. وكان زوجها قد تبرع منذ زمن بعيدٍ بأرض المسجد، قبل أن ينال حتفه في حادثة أليمة قبل أن يكمل عقده الثالث، مما جعل الحزن يسيطر عليها، ويجعل عينيها تبيض ويحاصر الشيب كل طموحها.

أضف تعليقاً