فِي هذِهِ المَدِينةِ التي لَطَّخَ خَدَّهَا المُحَدَّبِ التُّرَاب، حيثُ شُرفَاتُها مَشحُونةٌ بالعَتمةِ المُصطنعَة، حيثُ السُّنونُو تُهاجرُ مُكرهةً شَاكيةً الغُربَةَ بمِنقَارٍ مُسطَّح.
في هذِهِ المدِينةِ، لا شيءَ يَستَطِيعُ تَدويرَ سَعَادتِي ، فأجولُ فِي سَاحَاتِ العَاطِفَة، مَعِي انتظارٌ أَخرَسٌ، وَبِلا بُوصِلَة أُرَاقصُ طُلُولَ الذِّكرَى، لتَنفَرِجَ أَسَارِيرِي بفَرَحٍ مُفتَعَل، ولأَتثَاءَبَ مَعَ طَيفِ أَملٍ ضَائعٍ أَطْفَأَتْهُ خَيبَةُ المَوَاعِيد.
فِي هذِهِ المَدينَةِ، نَقتَربُ بمسافاتٍ رماديةٍ، وَعِندَ تُخومِها يَنقَطِعُ الوَحيُ،وَتغلَقُ المَسامَاتُ مُعلنةً انطِفَاءَ الصَّهِيل، وَماتَزَالُ الأَسئِلَةُ مُؤرشفةً فِي الحَناجِرِ بحضُورٍ شَاملٍ لآلافِ النَّظارَة.
أَستهجنُ، أَصرخُ، أَتحدى، أَستكينُ، أَرفضُ ، أَقبلُ ، وَمازَالتْ المَواعيدُ تُوزعُ النَّعوةَ إِثرَ النَّعوة .
بالأَمسِ سَمعتُهم يتحدثونَ بانتِصَارٍ عَن أَصحَابِ الفِيلِ و بِحقدٍ عَنْ خَيبر ، فَتَوضَحَتْ المَعالِمُ ..وَقرأتُ بعيُونِ أهلِ المَدينةِ تَصفِيقاً مَجهُولَ المَصدَرِ ، وَلربمَا هُو استِرَاحةٌ عِندَ قصيدةٍ تَبدأُ بوقوفٍ عَلَى الأَطلالِ حَتَى إِشعَارٍ آخَر .
وَهكذَا يَجفُ اللَّيلُ وَالعِطرُ ، وَ تَبقَى أَضَابيرُ الجُوعِ ، وَباقاتُ الضِّيقِ، وَرَغمَ كُلِّ ذَلكَ أُتابعُ ، أَرفضُ مُغادَرَةَ الحُدُود ، لأَتَسَكَعَ بلا سَفرٍ خَلفَ الكَّلماتِ وَالعَتبِ. وَأَتدَحرَجُ مَعَ لَهفةٍ مُغَفَّلةً لا تَتَطابقُ مَع ثُقوبِ وَاقعٍ مَضفورٍ بتَنهِيدَة .
فِي هذِهِ المدينة، تُرهقُنِي الأَفكارُ ،فأَشرِدُ فِي صَحرَائها، مَعَ زَمهَرِير شِتَائهَا ،أَسيرُ وَفي عَينِي حَدقةُ غُراب، وَفِي جِلدِي شَوكُ صَبَّار ،ورُبمَا بَعضَاً مِن ذَاتِي.
نَعم .. سأُحَاولُ رَغم غِنَى المَتَاهَاتِ المُعبأةِ بأَنَابيبِ الآهِ المُستَتِر .
سَأُحَاولُ بجبروتٍ ملونٍ ، وَسَأمضغُ مَقتَ المَاضِي، وَرِيحَ الحاضرِ ، لعَلِّي أَتسلقُ ذُروَةَ جَبَلِها المُدَبَّب.
نَعم ..سَأحمِلُ قيثارتِي المُكتَظة بمشاويرِ مدينةٍ عَلمتنِي الحُزن ، وَوجهَ حبيبٍ يُقَهقِه بلا انقطَاعٍ لسَذَاجَتِي وَأمضِي نَحو تلكَ الذِّروةِ الشَّقيةِ .
هُناكَ سَأجتَرُّ أَفكارِي البَيضاءَ و السَّودَاءَ وَحيثُ لا بَشرَ سَأُغنِي أَلحانَها الخَرِيفيةِ ، وَ النَّايُ يَحفِرُ أَخَادِيدَهُ العَصِيَّة عَلَى شِفاهِ الأَغَانِي .

أضف تعليقاً