1- هيَّ فِي الثلاَثِين مِن العُمْر، ذَات مَلامِحَ جَذابَة، وجِسْمٌ مُتناسِق، وَنظرَاتٍ ودِيعَة لاتخْلو من المَعَاني الرَّفيعَة، امْرَأة كامِلة الخُلق والاسْتقامَة، لاحَتْ مِنِّي التفَاتة خَاطفة نحْوَهَا، وأنَا ألجُ البَيْت، إنَّهَا فتاةُ شاميَّة شَّامِخَة شمُوخَ المَآذِن،عُدْتُ أدْرَاجِي بَعْد أنْ مَشيْتُ خَطوَاتٍ مُتعَثرَةٍ، أسْألهَا: مَنْ تكُونِين يَا أنْتِ ؟! نكَّسَتْ رأسَهَا خجَلاً، وأجْهَشتْ بالبُكاءِ وهِيّ تقولَ: أنَا بعْضٌ مِنْكَ، أنَا سَيِّدَة سُوريّة مِن حَلب الشهْبَاء، رَمَت بهَا الظرُوفُ إلَى هُنا، تجرُّ الطريقَ خَلفهَا مُتسَوِّلة، وَمَا تسَوَّلت مِن قبل. قلتُ: ومَاحَاجَتك ياأمْرَأة ؟ قَالت: نحْنُ ثلاث فتيَات، أبُونا شيْخ كبِيرٌ مُقعَدُ، أمُّنا غيَّبهَا زلزَال الْحَرْب القذِرة، تزوَجْتُ في المُخيَّم لأقاسِمَ ابْنَ عَمِّي حَيَاةً سَعِيدَة، أنجَبْتُ لهُ طِفْلان، اكتشفتُ أنَّ العُنْفَ يَسْكنهُ، ويَسْتوْلي عَلى أقطارهِ، عَقيدَتهُ مُتأرجِحَة حَدَّ التهوُّر، شيَاطينهُ يُجيدُون لغَة التضْلِيل والتهْويل، يَخرُجُ مُتخَفيًا، يَسْلكُ طريقَ العُنف سَبِيلا، كَانَ مَهْزُومًا مُنكسرًا بَائسًا، هَجَرَ أهْلهُ ومَدِينَتهُ الشبَح بدَعْوَى الجِهَاد، يَرْتمِي في أحْضَان عِصَابَات الإجْرَام، يرْحَل إلى البِلاد البَعِيدَةِ، إلى ليبْيا ولمْ يَعُدْ، لا ندْرِي أيْنَ هُو؟ وهَل هُوَ عَلى قيْد الحَيَاة؟ أمْ أنهُ في عِدَاد الامْوَات؟ قلتُ: هَل بَحَثتِ عَنهُ؟ طأطأة رَأسَهَا وَقالتْ: وَمَنْ يَبْحَث عَن الآخَرَ؟ فأنَا تَائِةٌ بَائِسَة مَطرُودَةٌ من الحَيَاةِ، والعيَّال مُشتَّتٌ ..شَذرَ مَذرَ.. توَزَّعْنا عَلى البيُوتِ مِنْ أجْل أمْنِنَا ورَغِيف خبْزٍ ليْسَ لهُ طعْمٌ، نحْنُ نبْحْث عَنْ مَأوَى يَأوِينَا، ويَحْفظ مَاءَ وجْهِنا المُعَفَّر بالأحْزَان، نبْحْثُ عَنْ وَطنٍ ضَاعَ مِنَّا فِي غَفلة، وصِرْنَا كالقطعَان التِي أهْمَلهَا الرُّعَاةُ، فِي غَابَة تعُجُّ بالوُحُوش الجَائِعَة، نُمُوتُ بِالتقسِيط، وَندْفن بالجُمْلة، نُهَاجِرُ دِيَّارَنا زرَافَاتٍ وَوُحْدَانا، كرَامَتنا مُدَاسَةٌ، عِرْضُنا مهْدُورٌ، نحْن بَيْن بوَاسِق الوَجَع ورَغْوَة الفوَاجِع، بَيْن حُلم النَّجَاةِ مِن الكِلاب الضَّالة، وَوَسَاوِيس الظنُون، ظلمُ ذوِي القربَى مُذلٌ ..مُخزيٌّ ومُخْجِل.وا خيبتاه..!

2- يَاحَسْرَتاه..! مَفاتِيحُ بُيُوتِنا، سُرقت مِنَّا ذَاتَ رَبيع، صَارَتْ فِي جُيُوبِهِم؛ ضاعَت ألعَناوين، اخْتفت الدُّرُوب، تغيَّرت تضَاريس المَدِينة، انهَارت الصوَامِعُ، صَار الوَطنُ الْحَزين حَقل تجَارب للمَوْتِ البطيء ، تجَارُ أسْلحَة الدَّمَار يَعْبَثون، الكبَار يَتبَجَّحُون..يَتلذَذون بعَذابِنا، يسْخرُون..يقولون عَنا: سُورْيَا المُمَانعَة..! إخْوَةٌ لنا في العُرُوبَة والدِّين يَتفَرَّجُون، يَبيعُون ويَشترُون..! جَعَلوا مِن الشَّام مُلتقى للذّئاب الجَائعَة والوُحُوش، رَبَّاهُ.. هَل سُوريَا التاريخُ مَنبَعُ الحَضَارَات آيلة للزَّوَال؟! أمْ أنَّهَا سَقطت لقمْة سَائِقة فِي أفوَاهِ الوُحُوش المُرْتزقة؟ حُلفَاءَ مُتحَالفُون جَاؤُوا أرْضَنا عَشَاء يَنهَبُون..يَقتلون..يعْبَثون، صَار الأمْرُ خَارجَ إرَادَتِنَا وتفكِيرنا..قلتُ: مَهْلا..يا خَنسَاءُ، يَا أخْت سَخْرٍ..سُورْيَا سَتعُودُ مُعافًاة بإذن الله إلى مَجْدهَا التليدِ، تنَهدَتْ مِلءَ صَدْرِهَا والدُّمُوعُ سَيْلٌ عَلى الخَدَّيْن وقالت: هَل سيَعُودُ المشرَّدُون إلَى الأطْلال وهُم في حَالة ذُهُول مُكبَّلون؟ هل سَيعُودُ مَن تقطعَت أوصَالهُم من هَوْل الهَول وفقدُوا العُقول؟ هل سَيَعُودُ المعْوزُون إلى مَرَابِعهُم وهُم حُفاة عُرَاة قدْ تقطعَت بِهم السُّبل هَائِمُون، البُيُوتٍ قد سُويَّت مَعَ الأرْضِ، الوَجَعُ يَسْكنُ كلُّ مَن يَمُرُّ عَلى خَرَاب الدِيَّار؟ أيْن يَسْكنُ المُهَجَّرُون ؟ مَاذا يَأكلون؟ والأيتام ُمَعَ مَنْ يَتحَدَّثون؟ أيُحْشرُهُؤلاء وَأولئِك في المُخيَّمَات والسُّجُون؟! ضَاع الأمَلُ فِي فوْضَى عَارمَة، والدِيَارُ صَارَت مَفاتيحُها فِي جُيُوب الغُربَاء..”َ. البُغَاثَ بأرْضِنا يَسْتنسِرُون…” بدَت عَلى وجْهِهَا دَهْشة واضِحَة.. تلفَّتت حَوْاليْهَا لحَظاتٌ كَأنَّهَا تبْحَثُ عَن مَكان لتسْتَرِيحَ..تتحَاشَى النَّظرَإلى العُيون، لازمَهَا الصَّمْت هُنيْهَات..تنهَّدَت بحُرْقة ومَرَارَة ..تنتفضَ وعُيونها تضجَّان بِنظرَات قلقٍ وجَزَع.. تخَاطِبُ المَجْهُول هَامِسَة، بِصَوْت مُتهدِّج ضَارع فِي الْحَنان:..يَا شَامُ مَتىَ تكُون بِخَيْر؟ مَتى تعُودُ لك الحَيَاة؟ من أجْلِك ياوَطَنِي احْترِقُ..أمُوتُ كمَدًا، يَا حَلب لك الإبَاءُ ولك المَعَالي، أنَا خَارِجَ السِّرْب.. أجَل..أغَرِّدُ وحْدِي..أمْشِي وَحْدِي..أنامُ وَحْدِي..وليْس لي حُلم سواك، فلوْلا إخْوَةٌ لِي في الْجَزائر لكُنتُ عُرْضَة لطلقاتٍ مُمِيتًةٍ..ولكُنْتُ مِن الهَالكِين، كل العُيُون تَرْمُقنِي يا وَيْلتاهُ..وتزْدَرِينِي..! مَظلُومَة أنَا.. أنَا إبْنَت الشَّام ..ارْحَمُونِي.!! ارْفَعُوا أيْدِيكُم عَن وَطنِي..!!

أضف تعليقاً