ذاتَ خريف ماطر، وفي ليلة شديدة البرودة، أجْفلت فيها الريَّاح الهَوْجَاء،واختفت النجُوم من السَّماء،عاد المدير إلي بَيْته مُتأخرًا وقد نامَ العيَّال، رَكن سيَّارته في المَكان الذي اعْتادَه، كانَ مُتدثرًا مَلابِس صُّوفيَّة، يَشعُر بالقلق والضيق، تفقد البيت وَهُو فِي حَالة إعْيَاء،القِي بِنظَرَة خَاطفة مِن خَلف زُجَاج النافذة على السيارة،اعتلي سدّة فرَاشِه وهو كَليل الفؤادِ،غَيْر مُطمئِن لذلِكَ الرَّجُل الشَّبحَ، الأشْعَثُ الأغْبرُ ذِي الهِندَام الوَضِيع، شاهَده هَذا المسَاء، يَجُوبُ المَكان جِيْئة وذهابًا، لم يكُن لهذا الكائن الغريب وجُودٌ من قبل في الحيِّ، عَيناه تقفزان تريدَان أن تنطفئ المصابيح في الشَوَارِع والبُيُوت، ثمة كلبٌ شرس ينبحُ وحَركة مَشْبُوهَة، الكلب يَنقادُ بسهولة مُسْتدْرجًا لشرِيحَة لحْم فيهَا مُنوِّم، يُسْكت نباحُه بذكاء ويترُكُه مُمَدَّدًا عَلَى الأرْضِ بَاسِطا ذِرَاعَهُ، يَخلو له الجَو فيَسْلك زقاقا ضيِّقا مُظلمًا مَهْجورًا ليتسَلل عَبْرَه، يتخذ من ظلام الليل سِتارًا، يندفع مُلثمًا خلف السُّور يَتسلقه، يتوارَى بين أكدَاس القمَامَة مع الجرْذان، يزْحَف كثعبان الرُّفوف، يُحَدِّقُ طويلا في المَارة، يَنفُث سُمه، يتوَغلُ وسَطَ العِمَارَات، يَقوم بحَركة بهلوانيَّة مُرَاوَغة،عيناه يقدَحُ مِنهَما الْغَضبُ، يقتربُ من النافذةِ المُطلة على الشَّارع، يُوزِّع نظراتٍ شَّزْرَاء على الْمَدَاخِل، يَخْتَالُ كثعْلب مُخَادع قرب موقف السيارات، يَنْدفعُ خَلفَ الظلِّ،عَيْنَاه مَجْهُولتَان تَترَاقَصُ، يَتسَلل في هُدُوءِ تَحْتَ أجْنِحَة الظَّلام الدَّامِس، يَتسَاءل: كيف الوُصُول إلى تلك السيَّارة الجَاثمَة هُناك،أريدُ هَذه لا تلك، إنَّها سَهْلة الْمَنال، دَقاتُ قلبه تتسَارَعُ لتسْبق خَطَوَاتِه، أفرَادَ الْعِصَابَة مِن حَوْله ينتشرون يتغامزون يَتآمَرُون، عُيونهُم مبحلقة كالقطط الشرِّيرة ترْشُدهُ وتحْميه، سَادَت فترَة صَمْت لم تقطعْها إلا هَمْهَمَة وإيماءَاتٌ صَامِته تُشبِه الهَمْس، المدير آوَى إلى مَضْجَِعِِه، يَتلقى إشارة ضوئية باقتحَام السَيَّارَة، يَنتفضُ مُتوثبًا ليَرْتمِي في المَقصُورَة، يُحَرِّك المفاتيح يُديرُها، بسُرعَة البَرْق، يَقودُ السيارة بِجُنون إلى وجْهة مَجْهُولة، لا يَزَال الأسْتاذ يَغطُّ في نوْم حَالم، يَتمَلمل في فِرَاشِه، فَجَأة يَسْتفيقُ مُتثائِبًا على رَنَّات الهاتف، ربَّاه.. يقفُ خَلفَ النافذة مفزوعا مَبْهُوتا، يَصْرُخ في جَوْف الليل، ولا سراب يرشد،ولا أحَد يَسْمع صُراخَه وَذَلِك الأنِين.. السَيَّارة غيْرُ مَوْجُودَة، يَا ويلي.. مَنْ أخَذَ السَيَّارة؟ يَرْكُض بدُون وَعْي خارجَ البيْت، وسَمَاؤُه مُلبَّدةٌ بِالأحْزَان،يضيق به الأفق، تتهشم الكلمات، يَسْأل النَّاس مُتوَدِّدًا بَاكيَّا مُستعطفا،يبتلع جُرعة الضجر،ويرتد رجع صوته ضعيفا، أيْنَ سَيَّارَتِي؟! يَقتفِي أثرَها بدُون جَدْوى، تبًّا لصَعَاليك الليْل وللكِلاَب الضَالة، سُرَّاق الفَرْحَة، ما أصْعَب دُمُوع الرِّجَال وهُم يَتَألَّمُون! يَهْرَعُ يَنُشدُ مَخْفرَ الشُّرطة ليبَلغَ، يُطلق أمَام الضَابِط زَفرَة قويَّة مِنْ قاع صَدْره، السيارة سرقوها.. ويُجْهش بالبُكاء، تسْتسلم الزَّوجة للدُّمُوع المُنهَمِرة، تُبَلغ الجِيرَان والأهْل أحزانها، تستعطفهم ليُقاسموا العيال الوَجَع والهموم؟ تسْأل: مَن يَقف مَعَ الأستاذ في مِحْنته ؟! يختلط الهرج والمرج،ولدهُ الصغير {في السنة الرابعة} ينزل إلى الشارع وعيناه تتوَسَّلان، يقول: سَيبيع ألعَابَه ودَرَّاجته ليُسَاعد والده عَلى اسْترْجَاع السَيَّارة، تتدثر ابنته {السنة الخامسة}في أحْلام العصافير، تتسَاءل: ما عسانا نفعل أمَّاه والسيارة هَجَرَت الْمَكان مِن غَيْر رجْعَة؟ لا يزال العيَّال يحْلم بِعَوْدَتها، لم يستسلم الأطفال لريَّاح اليَأس، ظلوا يَنتظرون، يسألون: مَتى تعُود السيَّارة؟! في الأفق بصيص أمل، لكن هل للصوص قلوبٌ شفوقة تلين؟ لا أظن ذلك.. إنهم ذِئابٌ جائعة لا يَرْحَمُون.
- مَنْ سَرَقَ سَيَّارَةَ الأسْتَاذ
- التعليقات