(1)
“مرتكب هذه الجريمة أحد رجلين: إما جزار أو طبيب، وصاحبنا جرَّاح، لا تفلتْه حتى يظهر لنا خيطٌ آخر.”
تلك كانت تعليمات رئيسه، لكن الضابط الشاب كان على قناعة تامة ببراءة الطبيب المتهم، لذا عاد يدرس ملف القضية من جديد، لعله يتوصل إلى حل لغز العجوز القتيلة.
صباح يوم قائظ من أيام أغسطس الملتهبة، وفي إحدى العشوائيات السرطانية ببطن العاصمة، كان الطبيب المغترب “زياد البشري” ينشر غسيله على حبال شرفته العالية بالطابق السادس والأخير. ساقاه تضجَّان بالشكوى من تكرار صعود ونزول السلالم المهترئة. صداع ليلة الأمس لا يزال ينشب مخالبه برأسه. عيناه المحمرتان من قلة النوم، تكادان تسقطان من محجريهما.
الفرح الشعبي الصاخب انتهى منذ ساعة واحدة. دوّي “الدي جي” لا يزال يرنّ في أذنيه، مع صيحات المتفرجين وأكفهم الملتهبة بالتصفيق المجنون، للراقصة اللولبية المغمورة، ورفيقاتها من الكاسيات العاريات، والمطرب المقلد للمشاهير بصوته المشروخ، والفرقة الموسيقية، التي جمعت بين رداءة الأداء وآلات العزف القديمة المزعجة.
لم يكن لديه مكان آخر يتوجه إليه، هربًا من هذا الجحيم. تحالف ضده الحر والبعوض والضوضاء والغربة، فجافى النوم جفنيه. فكر في النزول للمقهى القريب، لكن الضجة ستلاحقه، ثم إنه لم يفعلها من قبل، ربما لضيق وقته، أو حفاظًا على سمعته، ومكانته بين أهل الشارع. قام يفتح “اللاب توب” ليعمل، فلم يستطع التركيز.. حمد الله أنَّ اليوم إجازة من العمل. بيد أنه تميز غيظًا من جيرانه أصحاب الفرح، وودَّ لو تحدُث كارثةٌ لتُنهي هذا العذاب. أهذه هي حقوق الجار التي أوصى بها الشرع الحنيف؟ لماذا يصرُّ النَّاس على إسعاد أنفسهم على حساب الآخرين؟ لماذا لا يفرحون في صمت ووقار؟ لماذا يستحلون الحرام في الأفراح بحجة أنها ليلة العمر؟
منذ سكن هنا بدأ يكره ليالي الجمعة، التي كان من قبل يعشقها، وينتظرها بلهفة، من أسبوع لأسبوع.
نظر في سخط إلى أطلال الموقعة الطاحنة.. بقايا الطعام والحلوى، الكراسي والموائد الخاوية المتكومة على جانب الطريق. الشادر الذي تم تقويضه بعد انتهاء مهمته، وخشب المسرح المخلوع، وعربة نقل كبيرة تسد الشارع، والعمال يرفعون عليها كل ما سبق. أمامه مباشرة ترتفع شامخة، مئذنة مسجد الهدى، الذي يحمل الشارع اسمه، وبجوارها سطح بيت الحاج “سعد الكاشف” مقيم شعائر المسجد، المعروف بدماثة الخلق وطيب المعشر.
البيت تقطنه أسرة نوبيةٌ عريقة، من أقدم القاطنين في الشارع، ببشرتهم المتميزة، وطيبتهم المشهود لها من الجميع. المرأة تُطعم الطيور، وبجوارها شخصٌ يجادلها في أمر ما. يخفى عليه حديثُهما إلا بضع كلمات، جاءت في سياق غاضب وبصوت هادر مثل: شقى عمري. الكويت. الأرض… دخل “زياد” لبعض شأنه وخرج عدة مرات، وهو لا يزال غضبان أسفًا، لما آلت إليه أخلاق بعض الجيران. ثم حانت منه التفاتة عابرة إلى السطح الذي أمامه، ليجد المرأة وحدها، جثة هامدة، مسجاة على الأرض بلا حراك، وسط بركة من الدماء، ولا أثر للرجل الذي كانت تجادله!
(2)
ثلاث ساعات كاملة، قضاها النقيب “عادل ناصر” بمنطقة الجريمة، متنقلًا بين المسجد، والمقاهى، والمحلات المجاورة، متنكرًا في ثياب تاجر مفروشات صعيدي قادم من قنا، أذناه رادار دقيق، يسجل كل شاردة وواردة.
أدى صلاة المغرب خلف الحاج “سعد الكاشف”، مستمتعًا بتلاوته العذبة بصوته النوبي الرخيم، ولمس حب الناس له، من خلال إقبالهم على مصافحته ومعانقته، عقب عودته من العمرة، وتسابقهم لتقديم واجب العزاء في زوجته، التي لقيت ربها، بينما كان هو في الرحاب المقدسة.
ثم التقى بعدها المخبر “سعفان” الذي يعمل على سيارة تاكسي، وفي الطريق إلى مكتبه مساء، راح يعيد ترتيب أفكاره المبعثرة من جديد.
ماذا يستفيد الطبيب “زياد” من هذه الجريمة؟ إنه وافد حديثًا على المنطقة من أشهر معدودات، لا تربطه بالقتيلة أو أسرتها أية علاقة من أي نوع، اللهم إلا الجيرة، ثم إنه مغترب من محافظة البحيرة، وليست له أصول صعيدية، يقضي يومه بين المستشفى الحكومي، ومستوصف المسجد الخيري، ومسكنه الذي يعيش فيه عزبًا، ليس له ثمة أصدقاء ولا أقارب، يزورونه أو يزورهم، وليس من مرتادي المقاهي ولا النوادي.
ثم سبب آخر غير انتفاء الدافع، أين هي أداة الجريمة؟
سرح في منظر القتيلة الذي انطبع في ذاكرته منذ المعاينة الأولى في الصباح، والذي لن ينساه لمدة طويلة، تقلصات الوجه الدالة على شدة الألم، الجرح القطعي بالرقبة من الوريد إلى الوريد، يبدو أنَّ المسكينة كانت منهمكة في (تزغيط) ذكر بط بلدي، حين التف القاتل خلفها فجأة، وشدَّ شعر رأسها بإحدى يديه، وبالأخرى عاجلها بشفرة حادة، وتركها ذبيحة مستنزفة الدماء. الضربة تدل على أن القاتل أطول من الضحية، أعسر، قوي البنية، لكن هل هذا وحده يكفي لاتهام الطبيب الشاب، الذي وقَّع على أقواله أمامه بيسراه؟
(3)
بعد أسبوع من التحريات المكثفة، جاء المخبر “سعفان” بخيط جديد هام، ربما يقلب مسار التحقيق رأسًا على عقب، “حكيم المنياوي” الجزار، شاب طويل مفتول العضلات، سيئ السمعة، يعيش في الحي مع أسرته، باذخ الثراء، موتور، خطب إليهم ابنتهم الصغرى، بعد أن أنهت تعليمها الثانوي، وحصلت على دبلوم تجارة، فردوه خائبًا، بحجة أنهم لا يزوجون بناتهم من الأغراب، وهو الذي -بزعمه- تتمناه كبرى العائلات لبناتهم، فهو أكبر جزار في المنطقة وصاحب عقارات والفلوس تجري بين يديه كالماء المنساب. لم يقتنع بأن عاداتهم وتقاليدهم تقتضي أن يرفضوه لأنه ليس من قبيلتهم، فكر أنهم ربما يأنفون أن يكون زوج ابنتهم المتعلمة أميًّا، حتى لو كان من الأغنياء. بدأ بتهديدهم، وإزعاجهم، والتعرض لهم، بعد أن كان يتلطف ويتودد إليهم، بمناسبة وغير مناسبة.
منذ شهرين، أرسل أمه وأخواته لإقناع العجوز بالعدول عن رأيها، فهو يعلم أنها صاحبة الحل والعقد، لا يصدر أحد في العائلة إلا عن رأيها، ولا يقطعون أمرًا دونها، وقد عادت النسوة أيضًا هذه المرة بخُفي حُنين. وأكد “سعفان” أن الشاب أعسر، فقد شاهده بأم عينه، وهو يقطع اللحم للزبائن، في المحل الذي يملكه على الناصية القريبة.
المشكلة أن الجزار كان يملك حجة غياب قوية، فقد شهد الشهود بسفره للعزاء في وفاة خاله ببور سعيد، قبيل الحادث بيوم، حيث مكث هنالك ثلاثة أيام، وعاد مساء اليوم التالي للحادث، ولحسن حظه فقد احتفظ أيضًا بتذاكر الباص الذي استقله للسفر ذهابًا وعودة، وقدمها ضمن مرفقات التحقيق.
عاد النقيب “عادل” يوازن بين المستجدات التي طرأت، وبين موقف الطبيب “زياد” الذي لا يملك على أقواله شهودًا، ولا يُنكر أنه كان الأقرب لمسرح الجريمة وقت وقوعها، ولا تزال الملابسات والظروف في غير صالحه إذ لا تقطع باستحالة ارتكابه لها، لا سيما وقد تم العثور على أداة الجريمة، في الفراغ الواقع بين المنزلين، عثر عليها عامل نظافة، وهو يجمع القمامة صباحًا، داخل لفافة من ورق الجرائد، ملقاة مكان خشب المسرح، الذي تم رفعه عقب انتهاء الفرح…
(4)
ظل النقيب “عادل” يراوده الأمل، في أن تحسم البصمات المرفوعة من السكين الأمر، وتشير صراحة إلى القاتل، بما لا يدع مجالًا للشك، ليغلق هذه القضية المشئومة.
غير أنه فوجئ بأن القاتل قد تمكن من مسح السكين جيّدًا، فلم يستطع المعمل الجنائي العثور على بصمة واحدة، أما اللفافة الورقية فكانت تحمل بصمات عديدة، لأشخاص لا يمتون للقضية بِصلة، كبائع الجرائد وعامل النظافة وغيرهما.
أيضًا لم تكن السكين من ممتلكات الجزار، ولا من مقتنيات الطبيب. العجيب أن الابنة الكبرى للقتيلة تعرفت على السكين، وقطعت بأنها سكينها المملوكة لها ضمن أدوات مطبخها، وكانت قد سافرت هي وزوجها للصعيد قبل الحادث بأسبوع، بعد إلحاح من زوجها لزيارة والدته المريضة، لا سيما وقد قضى عمره مسافرًا بين الكويت والسعودية، ولم يهنأ بلقياها إلا لِمامًا. أضافت أنه اضطر للسفر للخارج قديمًا، وهما خطيبان، بعد أن مات والده الجزار، وتعذّر عليه فتح المحل من بعده، لكثرة الديون التي خلفها له.
وجاء في أقوال الابنة، أن زوجها تركها صباح الخميس، وعاد مساء الجمعة، لارتباطه بصفقة سجاد كبيرة، مع أحد التجار في أسيوط، وقد شهد التاجر بلقائهما مساء الخميس، وأنه ألح على زميله للمبيت عنده، إلا أنه اعتذر بضرورة السفر لمرض والدته.
صرف النقيب “عادل” ابنة القتيلة، ومكث ساعة في مكتبه يستعرض ملف القضية من جديد، ويُقلب النظر في أقوال الشهود. يبدو أن الطبيب “زياد” لا علاقة له بالجريمة من قريب أو بعيد، و”حكيم” الجزار لديه حجة غياب قوية. تذكر أن الحاج “سعد الكاشف” زوج القتيلة، طويل القامة، قوي البنية. وحين قابله في المسجد، تناول الميكروفون بيده اليسرى! غير أنه كان خارج البلاد وقت وقوع الجريمة.
وفجأة أخرج هاتفه المحمول، واتصل بالمرأة صاحبة السكين، وسألها سؤالًا واحدًا: هل زوجك أعسر يستخدم يده اليسرى؟ ولما أجابت بنعم، استصدر أمرًا بالقبض على الرجل.

أضف تعليقاً