حلّق الصّمت مع الغربان التّي كانت تتحيّن فرصة الأكل من رؤوسهم…لم تكن وحدها تعيش لحظة الذّهول.. الرّياح تصفّر …
ترجّت الدّموع ولكنّها أبت أن تنزل..أصَابَها الشّلل…كان الخراب يحيط بهَا من كلّ جانب…جثث مرميّة كالحطام. ..منازل منهارة، تنتظر معهم فرق الإنقاد…من وقت لآخر يهمس في أذنها رئيسها في العمل: أنا معك.
وكأنّها كانت تنتظر كلماته…أصَابَها عطش الوِحدة ، ارتمت بين أحضانه ترتوي ، نست أنّ زوجها كان يمقته .
إكرامًا لجثّته التّي مازَالت تحت الأنقاض انتفضت من بين أحضانه ، أخدت تجري وتجري …في ذلك الرّكن وجدت كرسيّه المتحرّك ولم تجده..تعالت أصوات الثّكالى…حمدت الله لأنّها لم ترزق بولد…تحت قدميها العاريتين كانت يده تظهر…صرخت:
زوجي هنا هنا..سارع رئيسها وسحبها إليه:
لا أريدك أن تشاهديه وهو عبارة عن شظايا…ستأتي فرق الإنقاد. ..اسألي له الرحمة.
نظرت إليه بعيون محمرّة…تساءلت بصمت لماذا يهتمّ لأمرها؟! كان يكره زوجها ولم يبالي لأمره عندما تعرّض لحادث بشاحنة المؤسسة، تذكّرت ذلك اليوم المشؤوم الذّي فقد فيه زوجها قدميه وفقدت جنينها الذي انتظرته بفارغ الصّبر..تذكّرت نظرات رئيسها في العمل لمّا دخل المستشفى وكأنّه جاء متشفيّا:
بتروا ساقيك…احمد الله أنّك مازلت حيا!؟
عندما عرض عليها العمل معه كسكرتيرة لم تتردّد لأنّها كانت بحاجة لهذا العمل.. للخروج كي تنسى زوجها المقعد…وأحلامها المتساقطة كأوراق الخريف اليابسة…رفض زوجها بشدّة: لا أريدك أن تعملي مع ذلك الرّجل الدّيوث.
ولكنّه أمام إصرارها وافق…
لم تكن معاملته سيّئة ولم يكن “نسوانجيا أو ديوثا ” كما قال زوجها فقط كان يعيرها اهتماما زائدا ويهبها الكثير من العطايا…دائما يقول لها:
هذا لأنّك زوجة صديقي العزيز.
أدركت أن زوجها قد أخطأ في الحكم عليه…اليوم بعد هذه الغارة التّي حوّلت بيتها وزوجها إلى شظايا يقف بجانبها.
انهارت أصابتها الهيستيريا تنحّى بها جانبا،أعطاها مفتاحا…تردّدت في قبول عرضه إلّا بعدما أكّد لها أنّ مكوثها في تلك الشّقة سيكون بمقابل رمزي…
في زاوية من تلك الشّقة التّي أصبحت جزءا جميلا من حياتها. ..ترتشف قهوتها بحزن وهي تترنّح مع تلك الأغنية الكاذبة :”الأرض بتتكلّم عربي. ..الأرض الأرض!
تتذكّر زوجها…لم يكن زواجها عن حبّ لكنّها أحبته.. لطالما حاول إسعادها …مازالت رائحة الياسمين تعطّرها كلّ صباح …كان يحبّ الياسمين. ..لكنّهم أعدموه وخرّبوا حديقة حبّهما الجميلة…
كانا يحلمان بالكثير من الأطفال لكنّهم أجهضوا كلّ الأحلام ..متى ينتهي كلّ هذا ؟! .
قطع خلوتها ” أحمد ” صديقها في العمل. ..اقترح عليها أن تذهب معه لحفلة عيد ميلاد: لم تسأل عن التّفاصيل.. مباشرة قبلت عرضه. ..وكأنّها تحاول الهروب، تتلهّف لهذه الفسحة…منذ مدّة لم تتعطّر وتتبرّج. ..جهّزت نفسها تراقب الشّارع من زجاج نافدتها، باهت إلّا من آثارحزن يترصّد المّارة …لمحت أحمد بسيّارته استعجلها، أسرعت الخطى. ..ركبت بجانبه..كان يبحلق فيها مندهشاً:
ألن تسألي عن صاحب الحفلة؟
:لا.
:لا يهمّك ذلك؟
:نعم.
:تفاجأت من موافقتك.
:لا تتفاجأ فالوطن يجعلنا نتفاجأ حتّى من أنفسنا.
توقّفت السّيارة أمام فندق كبير…تساءلت: لماذا غاراتهم لا تكون إلّا في أحياء فقيرة شعبيّة وكأنّنا حشرات يريدون التّخلّص منّا ؟!
نظر إليها أحمد: ولكنّك حشرة جميلة.
رمقته غاضبة: ….
قهقه: مابك كنت أمزح معك.
دخلا قاعة الإستقبال. ..ثمّ إلى قاعة الحفلات. ..اندهشت لفخامتها وكأنّها تدخل وطنا آخر غير الوطن الذي تعرفه… بصمت تحدّث نفسها: لا بدّ أن يكون صاحبها ذو مال وجاه. ..جلسا في إحدى الطّاولات. ..رأت بعض الموظّفات في المؤسّسة التّي تعمل فيها …عاريات إلّا من قماش يستر بعضا من أجسادهن،ّ يحتسين النّبيذ أصابها الغثيان. ..أرادت الخروج لكنّ أحمد أصرّ عليها وأضاف أنّ الطريق لشقّتها بعيد جدّا…تمتمت: كان يجب أن لا أقبل منذ البداية..تفاجأت برئيسها في كامل أناقته…رحّب بهما…غمز أحمد…عرفت أنّه صاحب هذه الحفلة…أحسّت بجفاف في حلقها أحضر لها “أحمد” بعض العصير…احتسته على نفس واحد..ولم تعد بعده تشعر بنفسها…
كان النّور خافتا..في غرفة من غرف الفندق الواسعة ممدّدة على سرير ملكي…تنتحب العِرض والوطن.
- مُخّلفات غارة
- التعليقات