تتسكع الأسماك حول سنارتي فى حذر، أتوسم أن يتعلق في طرفها أمل جديد، مرة تطيعني فأسحبها بسمكتها الفضية، ومرات أراودها فتستعصم، خيط رفيع يتدلى بحذر يتوسطه قطعة (فلين) حالت دون وصول سنارتي لقاع اللؤلؤ، تحت قارب متهالك فى حضن النهر المكتنز بالأغصان.
عمى (السيد عبدالسلام) اكتفى من الصيد وحمد ربه، لملم شبكته، ويعيد ترقيع ماتهالك منها، يدندن بلحن قديم معروف سلفاً للمجبورين، دس ما رزقه الله فى شوال من الخيش، في بطن القارب، نتبادل التحية، الابتسامة لاتفارقة وهو يحكى ذكرياته مع والدي رحمه الله، وأنا مازلت أطارد الأسماك الهاربة من شبكته، للصيد متعة وإن لم تصطد شيئاً.
استراح عمى السيد على مصلى من القش، قاد أعواد الحطب على زاوية منها، يدفيء شتات المكان، يصنع شاي الخامسة بعناية، ناولنى كوباً، والآخر قَدّمَهُ لعروس النيل، الخجولة، بوجهها البشوش وعيونها الزرقاء المفعمة بالحياة، مع وصيفتها التي تشبهها كثيراً، تتنزهن كما اعتادتا على جبين النهر، يداعبن أنسام الغروب، فداعب النسيم الصِبا وغصن الجمال، قبلت دعوة عمى السيد على كوب شاي دون تردد، رغم يُسر العيش الذي يبدو عليها، ذابت الفروق بينهما كجمال شهاب بين النجوم فى صفحة السماء وصفائها، حين يتغزل الصياد بشبكته تتهادى إليه عروس النيل.
الصيد على ضفاف نهر النيل فى مُغذي السبع شمال قريتنا (ميت حديد)، بين الجندل والشادوف، بين الكافور والجزورينا، ترتدي الأشجار ثوب الحياة، ويعيد للذكريات دفء الأحبة.
على حافة مغذي السبع، نقوش فرعونية، تتعانق ذكرياتها بين رقة النهر وغفوة القيلولة، تتبعها نسمات العصاري يدندن لحن الحياة، وعلى غصون شجرة التوت فى حرم مغذي السبع تعزف العصافير همسات الغروب.
تحمل صفحة النهر جسداً ممدداً لاحراك فيه، كطفل نائم على صدر أمه، يحمله لمصير مجهول، تسرى الروح فى أوصاله رغم الغرق، اقتربت لا تشعر بالخزي أو العار، الحياة حولها شاحبة غير عابئة بها ولا مسعفة لها، فى عرض النهر يسبح الصِبية متحاملين على جسدها المُشبّع بالماء، المائل للحُمرة، تتقلب بين أيديهم، كسنبلات يابسات يعبثن بسنبلة خضراء، حتى تجرأت أسماك النهر، على اللهو تحت خصرها، فقبل أن يلقوها فى النهر كانت تزين ضفته، كأميرة تشرق الشمس من ابتسامتها، الكل يشتهى أن تلامس شفاهه إصبعاً من أصابعها الممتلئة، وهي فى مملكتها تتمايل مع بتلات الورود وسنابل القمح.
رميت السنارة على خِصرها فاقتربت، متهالكة لا تدفيء قلباً، ولا تروي جسداً، اعياء أعضاءها ينزع ما تبقى فيها من حياة.
الأشجار تتهادى تريد التهامها، تُحدق في تفاصيلها بنهم، وأنا أتظاهر بغض الطرف، تقترب منى، منهكة دون وعي، كغزال طاردته الأسود ماراً بفصول العام، تعرت على صفحة الماء فسقطت عفتها.
الشمس تسقط فى المجهول دون وعي، وتسقط معها سنارتي فى ظلمة النهر بين الغصون وبين القارب الغافل عند حافة النهر.
جرفها التيار فاقتربت أكثر، طاف بخيالي إنتشالها، ثم أخذتنى العِزة فتجاهلت مايدور فى رأسي، ركلتها بعيداً، و لم تكن هذه شيمتي، لم تستعطفنى كونها ممددة بين مخالب الغربة وأنياب الوحشة، تعاود الغرق على صفحة النهر تتدثر بالغيم، تسبق رفيقاتها اللائى هلت بشائرهن من بعيد يزفهن الطير.
وفى اتجاه المصب، تسبح شجرة الموز فى هدوء، يتربص البحر بعروس النهر، شاغراً جوفه الذي لا يشبع، يتحول بين شدقيه ماتبقى من نهر مزقه جفاف الأرض، وأطماع ببناء سدوداً تخنقه، خارت قوى النهر المطعون منذ سقوطه الحُر من مرتفعات الحبشة، حتي ابتلعه البحر، ناخ النهر فى مَبَارِك البحر، وعلى حدود البرزخ، دفنت شجرة الموز، يتقاسمها عذوبة النيل، وملوحة البحر!!!
- مُغَذي السَبْع
- التعليقات