ارتعش جسده، غصن خريف ذابل يتأرجح تحت وطأة الريح. على عتبة متجر الساعات العتيق، حيث تجمدت العقارب على وجوهها الشاحبة، انكمش الشيخ نوفل. وجهه حُفرت فيه أخاديد الزمن، وعيناه الغائرتان، عميقتان كبئر مهجورة، بدتا تحملان عبئًا أثقل من جسده النحيل.
تلك الليلة القارسة، ألقت المدينة رداءها الثلجي الأبيض، وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. شعر نوفل بثقل بارد يهبط على كتفيه، يجمّد دمه، ويخنقه ألمًا أقدم من البرد نفسه. رفع رأسه المثقل، فجذبته نافذة المتجر المقابل بوهج غير مألوف. ومضات خافتة، أشبه بنجوم تتراقص في فضاء مظلم، كانت تناديه.
استجمع ما تبقى من قوة في أطرافه المتيبسة، وسحب نفسه بصعوبة نحو النافذة. كانت معروضات المتجر فارغة إلا من مرآة قديمة ضخمة تتوسط الواجهة، يعلوها غبار السنين. كلما اقترب، ازدادت الومضات قوة، ترسم خلف المرآة ظلالًا سريالية تتراقص وتتشكل.
وصل إلى النافذة، مد يده المرتعشة التي كانت تُمسك شيئًا صغيرًا في قبضة، ومررها على الزجاج المليء بالغبار. انقشع الغبار ليكشف عن انعكاس وجهه الشاحب، الذي بان عليه وهن السنين وعلامات حرمان طال. لكن خلف صورته، بدأت تتشكل تلوينات سريعة، لمحات خاطفة من عوالم لم تطأها قدماه قط: غابة استوائية تفوح منها روائح لم يشمها، رمال صحراء ذهبية تمتد بلا نهاية، قمم جبال بيضاء تعانق السماء، وأخيرًا، أضواء مدن صاخبة لم يرها إلا في أعمق أحلام يقظته. لم تكن مجرد صور عابرة، بل كانت اتساعًا يتسلل إلى روحه، يملؤها بحرية لم يعرفها.
ضحكة خافتة تسللت من صدره، صوت مكتوم يحمل دهشة ممزوجة بمرارة لاذعة. ضحكة من أدرك أن حياته انقضت على أصفة الألم ومرارة الحرمان، بينما كل هذه العوالم كانت مختبئة هناك، خلف هذه المرآة، تنتظره.
وفي انعكاسه، حدث شيء غريب. لم يتغير جسده وحده. ملامح وجهه المنهكة تجلّت ببريق شباب ضائع، امتلأت بشرته المتجعدة. لحيته الكثة تهذبت كأنها لمست يد فنان، وملابسه الرثة تحولت إلى أثواب فاخرة تنسدل عليه بأبهة. وكلما تبدلت المناظر خلفه، تحول هو أيضًا في المرآة: ملكًا توّج على عرش صمت، نظراته تحمل ثقة الملوك، ثم مغامرًا يمتطي جوادًا أصيلًا في صحراء خياله الواسعة، فنانًا تعزف يداه لحنًا خالدًا يتردد صداه في أعماقه.
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، حاول المارة إيقاظه. اكتشفوا أن الشيخ نوفل قد فارق الحياة، مستندًا إلى زجاج النافذة، ابتسامة هادئة مرسومة على شفتيه، ويده لا تزال ممسكة بالزجاج، وكأنها كانت تحاول العبور إلى العالم الذي رآه، العالم الذي عاشه في لحظاته الأخيرة.

أضف تعليقاً