شرائط الفجر الصفراء المتدلية من الأفق ، تشرح جثة الليل و تعلن عن رغبتها الملحة في الامتــــــداد .. عقـــارب الساعة تستمد حركاتها من عقارب الزمن ، لتعلن دقاتها عن ساعة منه .. و هكذا تولد من جديد ليبدأ الصراع .. و كأنك لم تنتصر .. و لم تنهزم
كان كل شيء يبدو متراكما أمام عيني ، و في رحم أفكاري الضائعة في رحى الاجتياح .. و في لحظة فيضان الذاكرة وجدت نفسي أدندن داخل هذه الغرفة الضيقة .. بجدرانها المزينة بالصور التي اقتطعتها مند أمد بعيد مـن الجرائد و المجلات .. يوم كنت أحس بأنني أستطيع تغيير الأشياء بإدخال مثل هذه التعديلات الطفيفة ..(مارلين مونرو) بجسمها الممتلئ و عينيها الواسعتين ، و رأسها المائل قليلا إلى الخلف .. لكم أحب أن أتأملها .. بل لكم أحب أن أتخيلها ، ففي خيالي هي أقرب من هذه الصورة المثبتة على الجدار .. (مايكل جاكسون ) و هو يحمل ناقل الصوت .. وقفته تلك حاولت دائما أن أفسرها ، و لكنني لم أجد لها تعليلا .. أهي لحظة استسلام للشلال المتدفق باتجاهه .. أم هي لحظة غوص في أعماق الذاكرة و بين الصورتين صورة أحد الرؤساء بنظاراته المتدلية على أرنبة انفه ، و يده المرفوعة إلى الأعلى ، و كم من مرة سألته ساخرا : « على أي شيء تريد أن تثور ؟ على هذا الجسم الذي يعج به خيالك ؟ أم على هذا الصوت الذي يزاحمك في الظهور على الشاشات ، و ركوب السيارات الفاخرة .. و تقاضي مرتبات تعادل ميزانية دولة بأكملها » الصور كثيرة تغطي كامل الجدران .. صور مشبعة بالمرارة .. المشاهير في الفن و السياسة..المشاهير في الهزل و السرقات و الفضائح .. أقر بتفكيري البليد ، و علي نزع هذه الصور و إعادة طلاء الجدران فأنا لا أريده مثلي يبني أحلامه من خلال الصور المشبعة بالألوان . تنتشي روحي التي أضنتها لحظات الانتظار العسيرة .. تضايقني الفرحة العارمة لتلغم عقارب الساعة تحملني على ترك أفكاري إلى حين عثوري على زاوية صمت أخرى .. أما الآن .. أسرع .. أسرع قبل أن تصل عقارب الســاعة إلى خط الانفجار .. رائحة العرق تنبعث قوية ، تلتقطها الخياشيم لتتقياها في الداخل ، فتولد لحظة الاشمئزاز و النفور ، لا تزال أشعة الشمس تلسع هذه الأجسام المنهوكة في غير رحمة .. أما أنا فهذا الجو لا يزعجني تماما ، عكس الأمس رغــم أن الحرارة كانت فيه أقل من اليوم ، لكنه كان يومها مشحونا بالتوترات..زوجت
التي تعبر عن آلامها بالصرخات الحادة و صاحب السيارة على سخطه بالمنبه الذي يعزف نفيره آليا إلى حين وصولنا .. أما أنا فكنت بين المد و الجزر، أفرغ رغباتي في السجائر التي لم تفارق شفتي . أسرع .. أسرع .. عقارب الساعة توشك على الانفجار .. مند أن غرفت غرفتي من إناء الصمت ، و أنا أحن إليها باستمرار إلى حركاتها الرشيقة .. ها هنا تقف .. و هنا قالت لي ذات مرة بأنني كل شيء في حياتها . تذكرت كل شيء .. و خفق قلبي شوقا إليها و فزعا ” ربما لن تعود ” و طمأنت نفسي على عجل بأنها مجرد رغبة من رغبات الحنين .. لا بد أنها الآن في انتظاري .. أوه .. نسيت إنهما لآن في انتظاري .. هي بابتسامتها التــي طالما دغدغت أوتار قلبي. و هو ما اسمه ؟ ما شكله ؟ ضحكت من جديد. أسرع .. أسرع عقارب الساعة توشك على الانفجار .. الطريق يمتد و يمتد ، حاولت أن أوقف ، سيارة لتنقلني دون جدوى فالجو حار ، و في مثل هذا الجو تندر السيارات ، فرحت أحث الخطى غير عابئ بلدغات الشمس المتوهجة و غلالات العرق .. ففي مثل هذا الجو التقينا ، أوقفت السيارة التي كنت بداخلها و ما كادت تستقر بجانبي حتى احسست بقوة غريبة تدير رأسي باتجاهها ، حاولت أن أمنعه دون جدوى .. لم أتمكن في البداية سوى من رؤية شعرها الليلكي المنسدل على كتفيها ، إذ كانت تدير رأسها باتجاه النافدة .. و من يقهر الرغبة إذا طغت .. فكرت قليلا ثم تصنعت الأدب و قلت لها : ــ عفوا سيدتي .. أرى أنني أزعجك بدخان سيجارتي . ــ كلا يا سيدي . فازداد أدبي ، و صممت على رمي السيجارة ، التي ما تزال كما هي ، و قد أخذتني رعشة مفاجئة.. عيناها الدعجاوان .. فمها المدور..أهدابها النامية بكثافة.. وجهها المستدير( مارلين مونـــرو ) و تضج أعماقي بالضحك .. إنها أجمل بكثير من صور (مونرو ) و من حقيقتها .. سائق السيارة نفس
لم يصدق لهجتي الحادة التي أمرته فيها أن ينظر أمامه .. و يتخلى عن ملاحقتها من خلال المرآة المتدلية أمامه .. هذا اللعين . أسرع .. أسرع .. عقارب الساعة توشك على الانفجار . ــ خطواتك تلاحقني . ــ عفوا سيدتي إنني لا أفهم ؟! ــ عيناك تطارد كل شيء في.. ــ عفوا سيدي .. صدقيني إنني لا أفهم ؟! ــ ماذا تريد ؟ تشجعت و قلت لها مبتسما : ــ امنحيني يدك لأرى فيها الآتي و أستريح . عصفت ابتسامة بشفتيها ..زمتهما في محاولة لكبحها ، وضعت يدها على فمها في محاولة للتستر عليها .. و دون أدنى توجس مدت يدها لي. أسرع .. أسرع .. عقارب الساعة توشك على الانفجار . ــ عمي .. عمي .. و قبل أن أستدير إليه تماما أردف : ــ هل عندك كبريت ؟ ضحكت و داعبت بكفي شعره الكثيف .. و امتدت يدي لتنزع السيجارة من فمه ، و دفعته برفق و أنا آمره بأن يذهب ، و بقيت مسمرا في مكاني متتبعا استداراته الساخطة نحوي ..إنه في أشد حالات الهيجان .. أعرف أنه كان يريد أن يقول كلاما .. كان بوده أن يصرخ في وجهي.. أن يلعنني لكنه لم يتجرأ ، لأنه تعود أن يزم شفتيه و يتقيأ شتائمه في قلبه . أسرع .. أسرع .. عقارب الساعة توشك على الانفجار .
اقتحمت علي وحدتي ذات يوم ، فوجدتني أتأمل صورة ( مارلين مونرو )أحسست بالخجل يطوح بجنود رجولتي ، أردت أن أعبر لها عن مكانتها في نفسي .. امتدت يدي إلى الصورة كي تمزقها .. صرخت .. و امتدت يدها لتمنعني : ــ أرجوك .. لا تمزقها . هتفت لها في انكسار : ــ صورتك في قلبي . ــ امتدت يدها إلى شعري ، و داعبته بلطف .. أحسست برعشة تسري في أوصالي، أمسكت بيدهاو ضغطتها إلى شفتي ، و اجتاحتني رغبة في البكاء .. ذات يوم و عندما زرت غرفتي تلك ، وجدت أن نصف الأرضية قد فرشت بصور شتى .. رجال كبار الأجرام ، يرتدون ألبسة فاخرة متنوعة ، يقفون أمام سيارات فخمة .. أو مداخل عمارات شامخة ، بين صاعدين إليها أو نازلين منها .. البعض منها تبين رجال الصحافة يحيطون بهم .. في إحدى الصور أحد المصورين اضطر للصعود داخل السيارة لتصوير أحدهم .. صور متنوعة لشخصيات مختلفة .. سألتها : ــ من هؤلاء ؟ قالت لي بهدوء و هي تتشبث بذراعي : ــ رجال إصلاح ! أو قل أبواق تشويش ! ــ و من أين أتيت بهم ؟ ــ أوه .. هم الذين بعثوا بهم إلي ! ضحكت بفتور و قلت بصوت منكسر : ــ هل تمزحين ؟ ضحكت و ضغطت على ذراعي، و التزمت الصمت . أسرع .. أسرع .. عقارب الساعة توشك على الانفجار .
فور وصولي إلى المستشفى أمسكني الطبيب من يدي، أدخلني إلى مكتبه المشبع برائحة الأدوية وحرص على غلق الباب ، ثم جلس بهدوء ، و بعد فترة صمت قال لي : ــ لقد نجت زوجتك بأعجوبة .. و اضطررنا لإجراء عملية جراحية مستعجلة لها .. كنا أمام اختيارين .. إما هي.. أو .. لم يعد يهمني.. شكله .. و لا اسمه .. أسرعت إليها .. قبلت جبينها بلهفة و مسحت بخدي الدموع المتدفقة من عينيها .. قالت لي بصوت ذبيح : ــ سنربي طفلا يعوضنا . امتدت يدي لتسد فمها ، و هتفت لها : ــ كلا .. سننتظر.. لا أريده أن يبني حياته من خلال الصور . تتفجر ضحكة مدوية من أعماقي و أنا اقتحم غرفتي .. و تمتد يدي لتتهاوى صورة( مارلين مونــــرو) و صوت ( مايكل جاكسون )و جميع الصور و حتى .. صورة الرئيس.