في ريعان الصبا النديّ، كانت أمي مَلاذيَ الأَفْيَأ. ما زلت أستعيد وَجِيبَ همسها الرَّقِيق بينما تتشبث أناملي الغَضَّة بأذيال ردائها: “يا بُنيّ، لستُ المُنْتَهَى، بل مَعْبَرٌ مُلِحٌّ”.
تَمَلَّكَنِي وَجْدٌ وأنا أُطِيلُ النَّظَرَ في مَلاحِنِها المَلائِكِيَّة. اضمَحَلَّ وَهَجُ شَغَافِ قَلْبِي أمام ابتسامتها الشَّاحِبَة. لكن كَفَّها الحَنُونَة، كغُصْنِ زَيْتُونٍ وَادِعٍ، رَبَّتَتْ على كَتِفِي، وعَيْنَاهَا تَفِيضانِ بِرِقَّةٍ أَغْزَر من كُلِّ مَكَانٍ أَعْرِفُهُ، وَهَمَسَتْ بِدِفْءٍ يَسْلُبُ الصَّقِيعَ: “هُنَا مَوْطِنُكَ مَا دُمْتُ أَتَنَفَّسُ”.
آنَئِذٍ، تَأَصَّلَ في سُوَيْدَاءِ فُؤَادِي جَوْهَرُ مَعْنَى الوَطَن؛ لَيْسَ تُرَابًا، بَلْ دَفْءُ نَبْضِهَا المُتَجَذِّر. كانت أُمِّي، وستَظَلُّ وَطَنِي الأَزَلِيَّ.

أضف تعليقاً