ندى..لا ليست ندى تلك الواقعة عبثا وسط رواية “في قلبي أنثى عبرية” لخولة حمدي، فنداي ليست عبرية ولا أنا أشبه أحمد أيضا..ليس هو أكثر نبلا مني ولا نداي أقل تمردا من نداه..نداي مختلفة..نداي تكره أن أناقشها حول الدين رغم أنها مواظبة على ممارسات العبادات، لا ترتدي حجابا ولا غطاء رأس..بشعر أشقر يميل إلى لون القهوة، تشده إلى الخلف تاركة مقدمته ينسدل على جبينها..
نداي واقعة في حب الأدب الفرنسي، تقول دائما أن الفرنسيين أفضل من يكتب الشعر والرواية ، تغضب وكأنها طفلة لحظة أعارضها مصراً على أن أفضل الروايات وأفضل النصوص الشعرية كتبها الانجلوساكسونيين..أصالحها بقبلة خاطفة على خدها.. نداي تكره أن تتابع تلك المسلسلات التركية التي لا تنتهي، تكره أيضا أن أطلب رأيها في مقالاتي السياسية..تقول دائما أني أهدر وقتي في الكتابة حول واقع لن يغيره إلا الدم..نداي لا تنتظر زوجا ولا تريدني حتى أن أتزوجها، تكره حتى أن أضيف ياء التملك تلك إلى اسمها..تصر على أنها ندى وفقط..تصر على أنها تحبني من أجل لاشيء ورغبة في اللاشيء ماعدا في لحظة آمنة نعيشها معا..
– تحبني ؟
– بطريقتي..
– أتختلف طرق الحب؟
– أحبك حين تغضبين..لا أحبك حينما تحدثينني عن أستاذ الرياضيات ذاك..أحبك حينما نشاهد مباراة لكرة القدم معا، لا يزعجني أنك أنثى و تفهمين في الكرة أفضل مني..لا أحبك لحظة أحتاجك فتصدين احتياجي لك بكونك منشغلة برواية بالزاك أو شعر بودلير..تحبين بالزاك وبودلير أكثر مني..
– تغار من كاتب ؟
– أغار من كل أولئك الذين يكتبون أفضل مني..
– مغفل أنت..ألا يكفيك أني أصحح نصوصك وأرقنها من أجلك..
– يكفيني أن تكتفي بالقراءة لي فقط..
– لست فرنسيا..
تقول ذلك مخرجة لسانها بطفولية تحاول أن تثير غضبي..نقضي ما تبقى من المساء في جدال بريء، لا يهمنا أن نقنع بعضنا بقدر ما يهمنا أن نثير غضب بعضنا..وقبل أن نفترق تحضنني محسسةً إياي أني رجلها الذي لا تأمن الوجود إلا بتواجده..لا أدري إن كنت أجيد لعب ذاك الدور أو إن كنت حتى أستحقه، كنت أُفضل لو أني كاتبها فقط..لكني لست كذلك..
وفجأة صارت تشبه الجميع، صارت كالأخريات اللائي ينتظرن، اللائي معركتهن المقدسة في الحياة هي الانتظار..انتظار زوج يُسكتن به محيطهن السيئ الذي يرى في وثيقة عقد القران ذاك ما لا يراه في شهادة جامعية أو دبلوم مهني أو حتى وظيفة..انهزمت ندى أو لعل أحدا ما هزمها..
– ابن عمتي تقدم لخطبتي..ماذا سأفعل؟
– كان يجب أن ترفضي قبل أن تسألي رأيي أما و أنت قد سألت فذاك يعني أنك وافقت وانتهى الأمر..
– لكن..
– ما عاد الكلام يُجدي..صرتِ لآخر يا ندى..ليس هذا ما يزعجني. يزعجني أنك ما تعلمت من بالزاك شيئا ولا من كل الفرنسيين..يزعجني أنك ما علمتك شيئا..اعتقدت أن الأشهر العشرين التي قضينها معا كانت حقيقة..
– كانت كذلك صدقني..
– تزوجي يا ندى..الزواج يناسبك جدا..
كان الوقت يمر بتثاقل، وكان اليوم تنقصه أهم أجزائه..صرت أنام باكرا بعد أن أقاوم الأفكار الكثيرة التي تحاول أن تجبرني على الاكتفاء بالنظر إلى السقف بدل النوم..مرت أشهر ثلاثة منذ أن قطعت الاتصال بها مكرها إذ أنها عمدت إلى تغيير رقم هاتفها وأيضا حذفت حسابها على الفيسبوك..كنت قد أقنعت نفسي أنها صارت لابن عمها و أنها قد تكون عقدت قرانها حقا، أقنعت نفسي أيضا بضرورة التجرد منها نهائيا و الاستمرار بعيدا عن ما تركته بداخلي من شظاياها..إلا أن القدر اختار أن يلاعبني بلطف هذه المرة..
– أنا ندى..لم أتزوج..أنا لا أصلح للزواج
– هذه هي نداي..أنتظرك بنفس المكان

أضف تعليقاً