على الضّفّة يُهَمْهم ُكَمنْ أصابته لوْثة . “نرسيس” على الحافّة يُطأطئ ، يتمعّن ، عن شيء ما يبحث ، يتقصّى ثمّ يتساءل: هلْ أضعتُ وجهي أمْ خانتني تفاصيلي . لِمَ لا أرى لوحتي المعهودة . تُرى هلْ هناك منْ نافسني فما عُدتُ أتربّعُ على عرش الجمال .
اليوم أرى الوقت يقف منّي وقفة الغريب ، بلْ يبدو أنّني الغريب ، أتقصّى ملامحي فيرميني السّرابُ في المتاهة ، تضيع منّي العلامات وتنفرُ نفسي منْ نفسي . هلْ تبدّلتُ أمْ مجّتْني قوانينُ الطّبيعة . لا لنْ أرضى ، لنْ أستسلمَ . سأعيد البحث وسأجد لوحتي فأنا بها ومنها أستمدّ وجودي . عليّ أنْ أشفطَ المياه العكرة وأمسح عن وجه الماء كلّ الأدران ، أطهّره ، أعيده مرآة صقيلة ، لا خدوش تخذل النّظر ، لا ضباب يُداري انعكاس الضّوء ، انعكاس وجهي ، هنا أنا والماء مرآتي ولا مفرّ.
فكّر ، تدبّر ، قرّر ، رمى الشّافط في عمق الماء باحثا عن المنبع والصّفاء ، ارتطمتْ آلته ، حاول الكرّة فعلقتْ بشيء ، سحب بكلّ ما يملك منْ قوّة وكانت المفاجأة مدهشة . جُمجمة ، وأيّ جُمجمة ، رأس فقد كلّ الملامح . لمْ يتبقَّ منه سوى عينين جاحظتين وفمٌ أدرد بدا يُلقي شبه ابتسامة ساخرة . زاغ بصره ، ماذا أرى ولِمَ تعيش الجماجم في الماء ؟ أ يُعقل أن يتحوّل مصدر الحياة إلى رمْس ؟ أيُعقل أن تُلوّث المنابع ؟ تُرى منْ فعل ذالك ثمّ هل هذا أنا؟ أنا الضّائع بين النّرجسيّة والغباء. هلْ آن أوانُ الحسم ؟ أين كتابي أمْ أنّ كتابي كوجهي ضاع منّي في زحمة الهجناء.
“نرسيس” على ضقّة اللّجّة بل المستنقع ما كان يعلم أنّ الخواء معشّش في النّفوس وأنّ الجُمجمة السّاكنة هناك تكشف الحقائق ، تردّد في صمت متى تستفيقُ أيّها الكائن الزّائل وتعلم أنّ الوردة لا تزهر إلّا في ألأرض الطّهور وأنّ الماء الرّاكد يصير بؤرة للأذى وأنّ الغباء منطق الضّياع . استمعْ وتبيّنْ أقوال الحكماء ، ها نعيمة يردّد ” عجبتُ لمنْ يغسلُ وجهه كلّ يوم ولا يغسل قلبه مرة في السّنة” استمعْ واستوعبْ أيّها المغرور.

أضف تعليقاً