خلف سجون المطر
تهب الخماسينية متخمة بخمر مجنون.. تتعبني لكن ذلك النخلُ رغم طول جذعه لا تهتز فرائصه، بل تتراقص سعفاته الرشيقة بدلال…
أنظر من خلف نافذتي اليتيمة أمسح دموعها بطرف أكمامي الطويلة، بكاؤها يصيبني بالكثير من الشجن، فأنا أعلم كم من الأحزان تسكنها.
أحتضنُ بعضي بعدما أصابتني قشعريرة من تيار بارد، لم تدخله نافذتي، فهي وفية وصابرة مهما أوجعها المطر وهزأت منها الرياح.. حبات المطر الهاطل بجنون تفني بعضها قبل أن تصل أفواه الأرض، كما نحن قبل أن نصل إلى المجد…
أفكر لم نفعل هذا ببعضنا ونحن نبرك في أعلى قائمة التخلف والمجون…
في ذلك اليوم وبعد شجار أخطبوطي طال عائلتينا انفض الجميع بعد توقيع حكم الإعدام علينا، ليتك انتظرت قليلاً قبل أن تحزم حقائبك إلى بلاد ضيفها العربي بغيض، أنسيتني وكأني ما كنت يوماً معك أم تناسيت؟
أكملت دراستي بعيداً عن المشاحنات العرقية والطائفية، والمذهبية، تلك التي تمضي ببقايا الإنسانية فينا، ليتهم يفهمون أن المحبة رسالة الإنسان وكل الديانات السامية، في زمن الحقد تفقد الأشياء الجميلة معانيها.
في باحة كلية الفنون أجلس دائماً بقرب حجر قديم، نحته عميد الكلية ليعطينا دفقة لفهم الجمال، مهما كان جامداً لكنه ينطق بصراحة وفصاحة أكثر من البشر، للحجر قلب يتدفق فيه الماء الزلال، كنيسة من جهة المدخل الغربي للجامعة، ومسجد تزينه القباب العثمانية من جهة الشرق، يرتاد من شاء ما شاء بحرية الطيور، تفكرت في كل تلكم الأيام الخوالي وأنا أدرس طلاب جامعتي حسن التعايش والتأقلم مع الآخرين.
تنهدت بحرقة وأنا ألمح ضوءاً هزيلاً تتراقص تحته ظلال كسولة، كم تشبه فقاعات تعلوا حتى سطح ذاكرتي، وقبل أن أستمتع بجمالها تختفي، أرنو صوب ذكريات الطفولة المسكرة.. أستنشق أريج الياسمين ممتزجاً برائحة الليمون، يا له من سحر خاص!
شيءٌ آخر لمحته بالقرب من سور المنزل، ظلٌ قاتم يمتدُ نحو الأفق، إنه أنت كما وعدتني، لا يبتسم المطر دون عينيك.
أسابق بعضي حتى آخر السور ركضاً إليك.. يرتطم جسدي المبتل بظل ظننته أنت، كما كنت من قبل كلما اعتقلني الخوف لجأت إليك لتحميني من أعاصير البحار العنيفة.
فتحت عيني وقلبي لا يمسك نبضه لأجد رأس أخي على كتفك، تحمله برفق إلينا بعدما أسعفته من رصاصة تلقاها من يد غادر.
وحين وجدتنا فجأة بين أفواه أهلي، وأنت تصارع الأخطبوط للدفاع عن نفسك، طار صوابي…
الهروب مع الموت
غير مبال بهذيان الجالسين خلف الطاولات يقف بتمرد، هو واثق من براءته، حتى لو كان متهماً بمقاومة الاحتلال، ما العيب في هذا؟ هل تنقص رجولته ويعيبه الناس؟
شموخه أتعب القضاة الذين تظاهروا بالسرور والانبساط، يعلم أنهم يتهامسون ويتآمرون على براءته، لكن لا بأس فمحاميه بارع ويعرف كيف يستله من منهم كما تستل الشعرة من العجين
وعلى ذاك العجين الذي جهزه خونة وأعداء يرسل لعناته صبح مساء، لعن الله العاجن والخباز صرخ بأعلى صوته…
لم يفهم أحد شيئاً لكنهم أمروه بالصمت.
ما كان يأمل منهم بعطف أو رحمة، قتلة الأنبياء لا يرتجى منهم قطمير، تجول عيناه في وجوه الحاضرين، لم يعثر فيها إلا على ضجر يداعب انهزامية أمام حجر طفل صغير، ليس فيهم قريب أو حامل قضية، تعثرت عيناه بذاك القابع في أقصى ركن بين الحاضرين، رغم شكله اليهودي أو الغربي لكن ملامحه الغاضبة ونظراته الثاقبة توحي بسر دفين، تزداد حرارة المحاكمة، القضبان تبصق عليهم من الملل المكرر، ها هو يضرب بالمطرقة: أنت متهم بمقاومة جيش الدفاع الإسرائيلي والإخلال بالأمن، هل أنت مذنب؟
أي أمن وأي سلام وأي دفاع بعدما هدمتم منزلي بلا سبب، أنا لم أفعل شيئاً لكن تأكدوا أن ابني أو أحفادي سيدفعونكم الثمن غالياً، رفع شارة النصر فأجابه ذلك الشخص بنفس الشارة، وأشار له أن يحتمي
تجهز القاضي لتلاوة القرار، وبدل أن يقف استلقى تحت الكرسي
كان ذلك الشخص المجهول مع الشرطة الذين اعتقلوه مرة أخرى بعد أن كان الناجي الوحيد من ذلك الانفجار المريب…
أحجية الجنون
بلباس رث غريب يحاكي العصور الوسطى أو ما قبلها، وشعر طويل، يجوب شوارع المدينة جامعاً قصاصات الصحف والأوراق المتناثرة هنا وهناك، يقرأها بشغف حميم، ما تأتي به الرياح تذهب به العواصف يردد بلا ملل، قد يكون فيها سطرً يعيد له حياته، أو يعيده لها، نظرات الشفقة والإشفاق تتكاثر يوماً بعد يوم، لا يعبأ بكل هذا، لكنه لا يمل من شريط قماش أحمر باهت حول معصمه، يحافظ عليه ويهتم به كروحه وأكثر، كلما وقعت عينه عليه اغرورقت وتبعثر، يمسحه ويقبله ويغيب في ذكريات مختلطة، يخبيء في الجهة اليسرى من معطفه المهتريء قصاصة فيها صورة محى الزمن الكثير من ملامحها، هي أنيسه في وحدته، يطيل الجلوس تحت شرفة ضخمة لأطلال قصر مملوكي محترق، فارغ من كل شيء، إلا من ذكرياته ورياح تصفر فيهما متى عن لها، الأسى على حاله لن تغير من ماضيه العريق.
نظر ناحية الشرفة، غمره صوتها البهيج، تطل عليه بكامل دلالها وجمالها، عيناها تحكي له قصة الحياة، حياة الزهر والعطر، علاقة الطيور بالتحليق، تمايل الأغصان طرباً على نغمات حديثها، يحدق برغبة، ابتسامه خفيفة تعلو وجهه الشاحب، تفتح له الباب وتمسك بيده ، يدخلان إلى الحدائق يتسامران والقمر، يتضاحكان على وشوشات النجوم واختلاسها النظرات، يمران على النهر الحالم، يعود نظيفاً نقياً بحلة الملوك بعد الاغتسال فيه، ينصب لها أرجوحة بين تغاريد البلابل، ويبدأ بدفعها برقة وحنان، ضحكاتها تعزف سيمفونية الخلود.
وبينما هو يقهقه بصوته الجهوري ويحاكي حركة التأرجح هبت ريح، بأصابعه المتسخة حك لحيته، وركض خلف قصاصة صحيفة تتأرجح على أكُفِها، تضاحك الأطفال بدهشة وبراءة وهم يراقبونه: مجنون مجنون.
ركض خلفها غير عابئ بصراخهم حتى قبض عليها، قرأها فتزحلق ووقع في بئر الصمت، انطوى على نفسه واقتحمه الخوف، بدأ يرتجف رغم حرارة الجو، هرول مسرعاً تضرب يداه رأسه ويلطم بأكفه وجهه، يزبد ويرعد ويهذي بكلام لا يفهمه أحد، جلس في الكوخ المهتريء الذي اتخذه منزلاً بين أكوام كتب الفلاسفة والعباقرة حيث يجد راحته، كانت ومضة سريعة طاشت من عميق ذكرياته، قفص الاتهام وحضور فضولي ينتظر التشفي، ترنحت المشاهد وهو بمواجه القاضي استعداداً لإصدار الحكم، ثبت قتل حبيبته- ابنة الغني المتغطرس- بسلاح ناري وتشويه جثتها في مكان بعيد عن البلدة لم يكن هو فيه، كان الذكي الفقير يتوج يومها بشهادة أفضل طالب في حفل التخرج في الجامعة، فر أبوها، أما هو فعندما عاد ووجد جثتها على تلك الحالة في بيتهم جن جنونه وأحرقه…
حافظ يومها على رباطة جأشه أمام القاضي، ابتلع خوفه وحكى ما حصل، كانا يخططان للهرب معاً والزواج في مكان بعيد عن العواصف، لكن كل تلك الأحلام احترقت وصارت رماداً عندما رآها.
أعلن القاضي تقييد قضية القتل ضد مجهول، وقضية الحرق ضد مجنون!
ظلال الشمع
كانت تنتظر حضوره بصبر مغلف بكثير من التشاؤم، فظروف البلد صعبة، الشيء الوحيد المضمون فيها هو الموت جوعاً، أو قتلاً مجانياً، أو هلاكاً خلف قضبان متأججة الحقد، بدى عليه الكثير من الاضطراب والشرود حين حضر، أساريرها التي تستعد للانفراج ما لبثت أن عادت لمواقعها، حين دس كل ما جمعته لسنوات طويلة داخل كيس مع القليل من ملابسه المعطرة، وصفق الباب حتى كاد السقف المتهالك أن ينهار فوق رؤوس الصغار، رصت خيباتها داخل صدرها، مسحت مجرى الدمع العميق ،سحبت مرساة الحزن الراسي في قلبها، فتحت أشرعته وأطلقته للريح..
لن نموت جوعاً.. كلمات تسكت بها بطون الصغار، رشقت في قلب التنور آخر رغيف، تسابق حبات العرق على جبينها، تريده أن ينضج قبلها، قسمته بينهم، ساخناً كسخونة الجو والأحداث، يفرح الصغار ببراءة وينامون بهناء، إلا ابنتها الكبرى، لم تخرج من الطفولة بعد وتنام بين أخوتها كحمل صغير، يسعدها دفء المكان رغم اتساع فتحة السقف المغلقة بقطعة كبيرة من الصفيح، فقد زاره قبل شهور برميل ضال، تتزاحم معهم أيهم يحصل على حصة أكبر من الغطاء، تغمض عينيها لكن عيون أذنيها منفتحة على مصراعيها كما قلبها النبيه، تسمع صوتاً من جهة بطن أمها الجاثية في الركن المعتم من الغرفة، تنصت للصوت بخيبة وحسرة، تنسل من فراشها بهدوء وتتوجه نحو ثقب النافذة الخشبية، تحسب ارتفاع قفص دجاج الجيران، بمهارة لص محترف تتسلق الجدار، بعينين كالعسل المصفى تبحث، قلبها يرى سجادة الصلاة، وصوت تزاحم الدجاجات داخل القفص ينشر جلبة، وصوت البؤس داخلها يسقطها ليضيف إلى ثوبها المهترىء جرحاً آخر.