( 1 )
الحاج (منَيْسِي) يعود من المدينة إلى بيته في طرف القرية قبل العاشرة مساءً بقليل.. يضع الراديو على طاولة صغيرة.. يوجِّهه إلى الغرب للحصول على أنقَى صوت.. يُقرّب مخدَّة ليسند عليها الهوائي الذي يرفض الوقوف بنفسه.. ينادي على أحفاده:
ــ تعالوا أسمعوا النَّشْرَة.. جَدّكم تعشَّى مع الوزير.
يدخلون بتثاقل.. يتحلَّقون حوله.. يتَحَسَّس بيده المعروقَة نوط الجهاد اللامع الْمُعَلَّق على صدره.. يَمِيْد إلى الأمام وإلى الخلف في انتظار نشرة الساعة العاشرة.
( 2 )
(منَيْسِي) مواطن ليبِي.. مَخْتوم في كُتَيِّب عائلته (مُقيم منذ الولادة).. ليس هذا فحسب.. بل هو سَليل أُسرة شُهَداء.. سقطوا جميعاً في الحرب ضد الطليان.. شارك هو شخصيًّا في أواخر الحرب.. تعرَّض للضَمّ في المعتقلات.. وفوق هذا وذاك يقبض راتبَ المجاهدين.. أربعة وتسعين ديناراً ونصفاً.. قد تتأخَّر عِدَّة أشهر.. لكنّها تأتي في نهاية المطاف.. يقف في الطابور مُستنِداً على عُكّازه بِضْع ساعات.. يُضطَرّ إلى الجلوس أحياناً وسط الطابور.. ينعس أيضاً.. يلكزه أحدهم:
ــ يا حاج.. فاتَك الدَّوْر.
( 3 )
(كان هذا هو الْمُوْجَز.. وإليكم التفاصيل)..
يضع الحاج (منَيْسِي) سبّابته على شفتيه وهو ينظر إلى أحفاده.. ويهمس:
ــ التفاصيل!
(أقام الأخ رئيس الوزراء مَأْدبة عَشاء هذه الليلة.. حَضَرَها كُلٌّ من الأخ وزير الْخارجية..).
ــ صحيح.. حضر معانا وزير الخارجية!
(والسيّد جوليانو فيليبّو سفيْر إيطاليا في ليبيا..).
ــ حتّى الطلياني تعَشَّى معانا.. واحد أشقر طويل.
(والثائر النيكاراغوي غونزاليس اليخاندرو..).
ــ بلحيته.. شعره طويل.. وحتّى اسمه طويل.. خلاص.. قريّب يسمُّونِي.
(والسيّد موهنداس راجا.. أحد نُمُور التاميل..).
ــ صَحّ.. نمر أسْمَر.. انتبهوا.. قريّب يسمُّونِي.
(ورجل الأعمال الأمريكي يوسف مردوخ..).
ــ صحيح.. اسمه يشبه أسامي العرب!
يرفع الحاج (منَيْسِي) يده للتنبيه إلى الإنصات..
(كما حضر المأدبة أيضاً لفيف من المواطنين).
ــ أيوه.. هَذي.. الكلمة الأخيرة.. لفيف.. أنا في اللفيف!
يَنهض بدون عُكّازه.. يضمّ أحفاده واحداً واحداً.. يقبّلهم.. يُردِّد:
ــ في اللفيف.. في اللفيف..
ينسحب أحفاده متثائبين.. يُرَدِّد:
ــ في اللفيف.. في اللفيف..
يَمشى في الممرّات.. يفتح كلّ الحجرات.. يخرج إلى الْمَنْوَر.. يفتح الباب الرئيسي.. يُطّل على الشارع الْمُظلِم الخالِي من المارَّة.. يتلفَّت وهو يخطو على الرصيف.. يعود بأنفاسٍ مبهورة.. يجلس على العتبة.. يرفع وجهه إلى السماء.. يلمع نوط الجهاد في الظلمة.. يبسط كفَّيه على رُكبتَيه.. يدسّ رأسه بينهما.. يرتعش.. يُحسّ ببَلَل الدمع في راحتَيه.. يردّد هامساً:
ــ في اللفيف.. في اللفيف..
- نشْرة السّاعة العاشِرة
- التعليقات