إذا جرى في عروق إنسانٍ نورٌ، وتنفس شمسًا، وتغذى برغيف منطقٍ مبينٍ هل يهزم؟.
أحمد شابٌ نحيلٌ عيناه جميلتان لهما نظرةٌ ثاقبةٌ ولد في سبعينيات القرن الماضي في ريفٍ قريبٍ من دجلة كان يهتم بأمور أغلب سكان قريته يعدها تفاهاتٍ لا تنفع صاحبها شيئًا، كان ميّالًا للقراءة، ينتقي كلماته بعنايةٍ شديدةٍ، ويقلب الكلام في ذهنه مراتٍ قبل أنْ ينطقه، وكان دائمًا ما يحدث أصدقائه ومن حوله عن تأثير الكلمة الساحر وما يمكن أنْ تفعله سلبًا وإيجابًا، وعن وجوب تعلم كلّ فرد أساسيات المنطق السليم.
مرة عادت أمّه من المدرسة التي تديرها وبيدها علبة مغلفة وأعطتها لأحمد، حسبها هدية تقليدية لكنّها كانت كتاب (سحر الكلمة) لمؤلفه ابراهيم الفقي. فرح فرحًا شديدًا وقبل يدي أمّه.
فكر يومًا بأنّه لابد من أنْ يزكي علمه وينمّيه فبقاءه في صدره يجعله بلا فائدة، فجمع عددًا من الشبان كان يرى سلامة أفكارهم و وصدقهم فأخبرهم بأمره وما يخالجه ثمّ قبلوا الدعوة وصاروا يتعلمون منه أمورًا جديدة رائعة وفعالة، وبعد مدة رأى تقدمًا لا بأس به في تفكير الشباب فأهدا كلّ واحدٍ منهم كتابًا شريطة أن يعلم ما تعلمه لشخصٍ واحدٍ على الأقل.
وبدأ عدد الشباب يزداد، والعقول المنطفئة باتت مشرقةً منيرةً، ونبذوا جلّ العادات الظالمة والسخيفة، والرجعية، والتي تبطأ من سير المجتمع نحو النور، وهذا ما أقلق الكثير من الرجعيين في الريف الذين يرفضون التنوير والتبصير كي يمرروا خرافاتهم على الجميع ويبقى أمرهم مطاعًا ونافذًا.
طال الأمر على الرجعيين وهم كلما سددوا سهمًا نحو أحمد صدّه بترس التجاهل مرةً، وبحصن النور مرةً أخرى، وكلما حاولوا أنْ يهدّموا بمجانقهم المتخلفة قلعة الحقّ التي شيّدها حال دون مرادهم سورٌ عظيمٌ فامتلأت نفوسهم غيضًا وحقدًا على أحمد وعلموا أنّهم خاسرون لامحالة؛ فالنور لا يقف في وجهه شيء مهما عظم، والحقّ هازم الباطل مهما كبر، قرروا البحث عن شيء يؤلمه في روحه دون مسّ جسده فلم يجدوا غير الكلام الذي طالما حدثهم عن تأثيره الساحر ولكن هيهات.. فهو يحمل أكسير الكلمة الطيبة والذي كلما أسمعوه كلمةً باطلةً خبيثةً فجرها قبل أنْ تصل مسامع أحمد.

أضف تعليقاً