عدونا – أنا وإخوتي- صبية أغرارًا، نرفل في ملابس العيد الزاهية، نقبض بحرص على قروشنا القليلة، لننفقها على الملاهي والحلوى، حين أوقع بنا نصابٌ سكندريٌّ مفتول العضلات، جردنا من عيدياتنا وكسر الفرحة في قلوبنا، وأعادنا إلى البيت سيرًا على الأقدام، تقرقر بطوننا من الجوع، وتجيبها دموع أعيننا من الحسرة.
عشرون عامًا كاملة لم تستطع محو هذه الذكرى التعيسة من أذهاننا. خرجنا اليوم للترويح عن أولادي وأولاد أختي الوافدين لزيارتنا بالقاهرة. صدمتنا حشود الزائرين المتجمهرة على باب حديقة الحيوان. بيننا وبين شباك التذاكر طابور يستغرق اجتيازه ساعة على أحسن الفرضيات تفاؤلًا. عدلنا عن دخول حديقة الحيوان إلى حديقة الزهور المجاورة.
المتسول الكهل في الحديقة أفسد عليَّ بهجة النزهة، ملابسه الرثة في هذا الزمهرير، يده التي ظننتها ترتعش من البرد ثم تيقنت أنها شلاء، نظرات عينيه التي تتسول الشفقة مثلما تتسول يده الجنيهات، لم أستطع مجاراة أختي في سخائها، نازعتني نفسي في ورقة مالية كبيرة، ظلت يدي تفركها في جيبي لتخلص بها إليه، بعد تردد ضننت بها وتركتها آمنة في مكانها الدافئ، ضحيت بأخرى أقلَّ شأنًا، تذرعت بالغلاء وكثرة الأعباء.
أعترف بكل أسف أن ذاكرتي المؤقتة ضعيفة، حتى إنَّ عتاب زوجتي لي لا يتوقف، لأنني قلما أنتبه لثوب جديد ارتدته خصيصًا لي، أو قصة شعر حديثة صنعتها من أجلي. رغم هذا فقد رشقت نظراته المنكسرة في تلافيف عقلي، فلم أستطع محوها من مخيلتي.
حاولت أن أتلهى عنه بمداعبة الصغار، ضحكاتهم المرحة تعبق المكان بعطر روحي فريد. الفرحة التي تقفز من أعينهم لا تقدر بثمن. عدوت وراءهم أتصيدهم من مخابئهم خلف الأشجار، امتطوا ظهري كجمل بالتناوب، قلدت لهم أصوات البهائم والطيور، كنت أنهق فيتمرغون على النجيلة الخضراء يمنة ويسرة ثم يركلون الهواء بكعوبهم ويصيحون: حمار!، أزقزق فيفردون أيديهم أجنحة ويقولون: عصفور، أخور فيشخصون بأبصارهم ويمدون الأعناق وينطحون الفراغ ويهتفون: ثور، أنبح فيمشون على أربع ويتشممون الهواء ويتصايحون: كلب، أموء فيتمسحون بي ويتقافزون وتعلو أصواتهم: قطة…
ما زالت نظراته تُلحُّ عليَّ، هناك حلقة مفقودة! جلسنا للطعام، اسيقظت داخلي حاسة الشرطي الذي لا ينسى وجهًا رآه، من هو؟ هممت بالعودة إليه لأسأله، مالت أختي نحوي وهمست في أذني: ألا تتذكره؟

أضف تعليقاً