..ظننتُ، في البداية، أنه يمازحني.لهذا إكتفيتُ بابتسامة حذرة لا أدري هل لمحها على شفتي خلال العتمة التي تلف باكورة صباح لم ينضج بعد، دون أن أنبس بكلمة، وشددتُ على الحبل الملتف حول رقبة النعجة القرنية بقوة أكبر كأني خائف أن يخطفها أحد من يدي.! لكنه أكد، بجد، كلامه مادًّا يده الى ظهر النعجة ليختبر مقدار سمنتها بحركة شبه آلية:
– بَشْحالْ الْحوْلي.؟
ولأن الشك لم يغادر نفسي تماما رددتُ عليه لأتأكد أكثر:
– على الله..!
إلتفتُ حوالي في رحبة المواشي داخل السوق الأسبوعي، حيث يختلط الثغاء بالخوار باللغط المتصاعد من ألسنة عديدة تتجاذب أطراف المساومة، في استعجال، قبل أن يكتمل طلوع الصباح؛ فما أشبه” الشناقة” بالذئاب، وكم مسكينة هي النعاج إذ تودع مساء نهارها على عواء الذئاب وتستقبل باكورة صباحها، في رحبة المواشي، على عواء ” الشناقة”.! لملمتُ بصري من بين القرون والقوائم والأقدام وسيقان العكاكيز، وألقيتُ به عليه، دون أن أعرف ماإذا كان قد انتبه الى ومضة المكر التي لابد أنها لمعتْ في عيني، وقلتُ له بتمنع زائف كتمنع عاهرة رخيصة لاتكاد تصدق مقدار مبلغ مغر عُرِض عليها:
– لا..اعطيني 2500 درهم.!
– غَلِّيتْ عليَّ..نعطيك 2000 درهم.!
– لا..آخر تمن 2250 درهم.!
قلتها بإصرار زائف، مضمرا رغبة شديدة في إنهاء المساومة بسرعة وقبض الثمن، لكن الخشية من إثارة شكوكه حول إمكانية أن أكون قد سرقتُ الحولي جعلتني أمطط المساومة قليلا.! لم يطل الامر كثيرا، قبل أن يحشر أحد ما نفسه بيننا وينتبه الى النعجة التي تبدو بمظهر الحولي لكن دون خصيتين، إذ قبلت بمبلغ2000 درهم مدعيا أني أفعل هذا تضامنا معه، بعد أن أخبرني أنه ليس ” شناقا” يريد بيع الحولي مرة أخرى بعد شرائه، بل يشتريه أضحية لحفل عقيقة يسمي أثناءه مولودا إزدان به فراشه،وقلتُ له بعد أن سألته عن جنس المولود:
– مبروك عليك الْعَزْري..
ثم مددت له يدي، واستلمت المبلغ، ووضعته في جيبي، بعد أن أعدت عده، وقلت بصوت خرج من الحلق فقط:
– الله يْجيبْ لِكْ التِّسير.!
وأسرعتُ مغادرا رحبة المواشي كما يغادر أولئك الذين يترصدون الفلاحين البسطاء كل سوق أسبوعي لينشلوا من جيوبهم الثمن الذي تحصلوه كمقابل لبيع مواشيهم ،كما يترصدهم الشناقة، قبل أن يطلع الصباح..ففي رحبة المواشي تقام صلاة فجر أخرى لكن لإله الظلام، والصلاة دائما خير من النوم، لأن النوم لاأجر له في الدنيا قبل الآخرة.! لهذا أسرعت، قبل اكتمال إستيقاظ عيون الصباح، عابرا رحبة الخضار والفواكه مغادرا السوق، غير مصدق للمبلغ الذي في جيبي، بعد أن توقفت لحظة ملتفتا ورائي، وقلت لنفسي:
– الذنب ليس ذنبي.. ولاذنبه هو الذي ظن كل القرون قرون أكباش.. ولاذنب الذي جعل رحبة المواشي غابة من نوع آخر تُؤدى عنها رسوم وتنفض مع طلوع الصباح..بل الذنب، كل الذنب، ذنب القرنين اللذين نبتا على رأس نعجة.!!
ثم مضيت، ولم ألتفت ورائي..!
- نعجة بقرنين
- التعليقات