..بعد أن اشترى سجارتين بما تبقى في جيبه من دراهم قليلة لاتكفي إلا لذلك، وعض على الجوع الذي بدأ منذ مدة يطرق معدته، خصوصا وأنه لم يتناول إلا بضع لقيمات قبل الفجر بقليل كي يبكر إلى السوق، جر نعجته التي صارت تشبه الجيفة في عينه، وتنحى إلى جانب سور السوق الكبير في رحبة المواشي حيث جلس على حجر وراح يكلم نفسه بلغة من دخان على لسان من سجارة، فيم عينه تقفز حائرة بين شمس تحث الخطى لامبالية في إتجاه كبد السماء وبين أغنام ومعز مربوطة في أشخاص يقفون في أماكنهم بانتظار مشتري موعود لم يأت ومنذ الصباح الباكر، فبدا له أنهم مثله هم المربوطون إلى مواشيهم وأن زمام حبلهم في أعناقها وليس بين يدهم، فالرابط صار مربوطا والمربوط رابطا بقدرة السوق التي وسعت كل شيء، لكنه، ومع هذا، كان يجزم أنه مربوط بحبل أوثق من حبالهم، لايستطيع منه فكاكا، إلى جيفة حسِبها نعجة يمكن أن تدر ثمنا مَهْما كان سقيما كجلدها الذي تكسوه بعض صوف كبقايا شعر في رأس على شفا القرع، لذلك كان يظن أن لهم أبوابا أخرى يمكن أن ينفذوا عبرها إذا اضطروا إلى العودة بمواشيهم الكاسدة إلى ديارهم، عكسه الذي لاباب آخر له ينفذ عبره، ولاحتى بصيص أمل، بعد أن كان كل أمله في جيفة حسبها نعجة! لم يكن ليستطيع تخيل نفسه عائدا إلى بيته الذي ينتظر على عتبة الجوع دون أي شيء ولاحتى حلوى للأولاد يتبع جيفة تدب على قوائم تحفظ طريق العودة! لكنه كان يمني النفس، التي تستشعر زحف الظلام في واضحة الشمس، بمشتري يمكن أن يظهر في آخر لحظة ويكون مهديه المنتظر الذي ينتشله من جيفة تشده إليها بحبل صار سُريا! فكان يترك العنان لنظره وهو يقفز بين المارين لعل أحدهم يرغب في شراء نعجة رخيصة، ويهدهد نفسه، التي كأرض تتشقق شقة تلو أخرى، بكف الصبر الخاوية، لكن مامن أحد توقف عند النعجة أو حتى رمقها بنظرة خاطفة كأنها غير موجودة كما هو غير موجود بعد أن محاه ظلها الصغير، فعاد نظره إلى عينه كما تعود عاهرة خائبة إلى وكرها، وإستقر للحظة على رأس الجيفة التي أمامه، إذ كانت تنظر إليه في إستغراب ونفاذ صبر فيم شفتها السفلى تتحرك كأنها تقول له ماذا تنتظر أيها الأبله؟ بدت له أكثر إتساخا وقبحا وسقما من قبل، فخطر له أن يبصق عليها وعلى نفسه التي سولت له أن جيفة مثلها يمكن أن تُعد نعجة! هرب نظره بين المواشي الأخرى، لكنها جميعا بدت قبيحة وسقيمة بالكاد تحمل قوائمُها أجسادَها الملتصقةُ الجلد على العظم،وكمثلها بدا الأشخاص المربوطون إليها وحتى عصيهم بدت قبيحة وسقيمة يمكن أن تنكسر عند أول تلويحة. فهرب نظره أبعد، إلى الجبال المحيطة بالسوق إذ بدت الأرض أيضا قبيحة وسقيمة أكثر حيث كان يتمدد مسترخيا جفاف لايعكر صفو شمسه الدافئة غيم طائش. ولم يتبق إلا السماء حيث كانت الشمس من على كبدها تصرخ أن وقت البيع والشراء قد فات.. وبعدها لم يتبق شيء، عدا الحقيقة الجارحة التي تقول أن الجفاف كساد في سوق المواشي، إذ يهرول الكسابون إلى التخلص منها بعد أن تعذر عليهم إطعامها مع إرتفاع أسعار الكلأ والعلف، لهذا تفيض رحبة المواشي برؤوس كثيرة لايباع إلا السمين بينها لأجل الذبح وهو قليل! لهذا كان عليه، بعد أن أشعل السجارة الثانية والأخيرة، أن يقطع حبل الإنتظار، ويهوي إلى قاع حقيقة مسننة تقول له بالعودة إلى الدار والأولاد بيدين فارغتين تماما إلا من حبل يربطه إلى جيفة في هيئة نعجة، وهذا ماكان ليطيقه بالمرة كما كان يستطيع أن يقدم بدله حياته! لهذا قفز واقفا كالملذوغ، وألقى نظرة أخيرة على الجيفة أمامه، فأحس برائحة كريهة تفوح منها، وأفلت الحبل من يده بعد أن هَمّ بتركها حيث هي ودون أن يحدد أي وجهة يقذف إليها قدميه! لكنه عاد ونزعه من عنقها، ثم أحكم قبضته عليه، وأدار ظهره دون أن يدري أتركها هي حيث هي أم ترك نفسه!؟

أضف تعليقاً