في وهدةِ غسقٍ مُطبقِ الصمتِ، انبثقَ ‘نجيمٌ’، لسانُهُ ضرامُ حقٍّ يَكوي زيفَ ‘ظلّامٍ’، وهمساتُهُ شُهُبُ وعيٍّ تخترقُ شَغافَ العقولِ. رأى عبثَ القصورِ أوهامًا تتلألأُ، واستنشقَ وَهَنَ الخوفِ دماءً تجري في العروقِ. تضامَّ المُستضعَفونَ حولَ ندائهِ كأغصانٍ ذابلةٍ بجذعٍ وارفٍ، لكنْ سرعانَ ما التهمتهم مهاوي القمعِ كوحوشٍ ضاريةٍ.
عندها، استبانَ لـ ‘ظلّامٍ’ أوانُ البغتِ، فاستحكمَ رأيُهُ على إخمادِ النورِ أبدًا. بدأتِ الأشباحُ تقتلعُ الناطقينَ بالحقِّ كجذورٍ خبيثةٍ تستأصلُ براعمَ الحقيقةِ، فغدتِ المدينةُ نعشًا يسيرُ. لكنَّ ‘نجيمًا’، بعينٍ ثاقبةٍ تُبدِّدُ دياجيرَ الظلامِ، وإيماءةٍ واعدةٍ تنطوي على غابةٍ، وَسَمَ الجدرانَ الصامتةَ كوَشْمِ عزٍّ، يحكي أطيافَ الغيابِ كَنَجْوَى الأثيرِ، ويُعرِّي الزيفَ كَفَضْحِ الصُّبحِ الدَّامِسِ.
استبدَّ بـ ‘ظلّامٍ’ طَيْشٌ فأصدرَ أمرَهُ بِطَمْسِ تلكَ الصرخاتِ بِغَبَشِ يأسٍ رماديٍّ، لكنْ حتى الرمادُ ثارَ تحتَ روحهِ كَنَبْضِ حياةٍ تحتَ وَطْأةِ الموتِ، وبدأَ يهمسُ بحكاياتٍ أخرى كرنينِ صدىً في لُجَجِ الصمتِ. في ليلةِ قمرٍ بلونِ الدمِ، تطوقتِ الأشباحُ بيتَ ‘نجيمٍ’ كأفاعٍ مُلتفةٍ. لم يُبدِ مُقاومةً، بل أشارَ بعزيمةٍ إلى صدرِهِ كَمَنْ يُقدِّمُ فؤادَهُ، فاستشفُّوا منبعَهُ كَنَبْعٍ يتدفقُ.
في الساحةِ المُكتظةِ بالوجومِ، انتزعَ الجلادونَ قلبَ ‘نجيمٍ’ كَجَمْرَةٍ مُتوهجةٍ، فانطلقَ منهُ لحنُ حريةٍ مُدوٍّ يُزلزلُ البغيَ، يتدفقُ سيلًا جارِفًا من نورِ الوعيِّ يهُزُّ صمتَ الخرسِ كثورةٍ تستنهضُ الجموعَ. ارتعدتِ الشفاهُ المُكممةُ كأوراقِ خريفٍ، وتمتمتْ بخوفٍ كَوَشْوَشَةِ الأسرى، ثم هتفتْ بجرأةٍ باسمِهِ… صرخةُ فجرِ الانعتاقِ.
أما المنتهى، فسقوطُ ‘ظلّامٍ’ المريعُ كشجرةٍ عتيقةٍ تهاوتْ، لم يُسقطْهُ رعبُ الهتافاتِ وحدَهُ، بلْ لأنَّهُ فجأةً… انقطعَ عنهُ كلُّ صوتٍ كأنَّ الوجودَ ابتلعهُ، فاجتاحهُ صمتُ عدالةٍ لا ترحمُ كهاويةٍ سحيقةٍ. لقدْ كُمِّمُوا فاهُ، لكنَّ فؤادَهُ النابضَ فَضَحَ المدينةَ كمرآةٍ تعكسُ الجورَ، وأطلقَ الكلماتِ الكامنةَ كَفَجْرٍ جديدٍ يُضيءُ الدربَ.
- نقش
- التعليقات

