أحيانا يتساوى حضورك متأخرا مع عدم حضورك .. هذا حدث بالضبط مع سعيد أبو الفرح مصيلحي .. رغما عنه أخيرا ومتأخرا خمسة عشر عاما .. و بعدما انتهى كل شئ .. عاد لدفن أبيه كهم ثقيل ..
صدفة أعلمتني بعودته حينما التقيته قبل الوفاة بنصف ساعة .. يوزع نظرته لي ولأبيه المسجى على حصير خشن في بيتهم القديم .. والذي خلا من مظاهر للحياة .. وبوجه تملكت قسماته دهشة وانكارا .. إنتظر إجابات لأسئلته التي تزاحمت برأسه ولم تغادر فمه ..
التفسير لم يكن هينا.. كيف أحكي ما حدث لأبيه خلال خمس عشرة عاما .. أأكتفي بكلمة أو كلمتين أو حتى رواية كاملة ؟ . أخيرا قلت باقتضاب :
بعد سفرك وانقطاع أخبارك عنا جميعا .. إعتقد الرجل أنك ربما توفيت وعاش فترة حزينا حتى ذبل .. كان قد قارب على الخمسين كما تعلم .. يعيش وحيدا فلا زوجة ولا ولد ولا من يعتني به ..
فجأة انطلق يعوض نفسه عن كل حرماناته السابقة .. عاش يومه مستمتعا بحرية مراهق بالخمسين .
عرف طريق المدينة الكبيرة .. تاه بين الخمر والورق و المتعة الزائفة .. وكانت الخسارة فادحة أفقدته كل ما يملك سدادا لديون الورق .. وضاعت الصحة والعمر الباقي وصولا للعقد السابع من عمره ..
لم يعد هناك ما يباع إلا هذا الكوخ البائس وحياء وجهه ليأكل به .. بقي كهلا سقيما يتسكع بالشوارع .. لم تسعفه صحته لبدأ رحلة كفاح جديدة وتعويض ما راح .. إشتدت الأزمة وزاد مرضه .. ذهبت محاولات الوصول لك أدراج الرياح .. حتى أراد الله وها أنت ترى بعينيك .
ظل يسمعني صامتا منهيا الحوار بتنهيدة طويلة .. وراح بعدها في نوبة تفكير عميقة .
امتلأ المكان بالمعزين ولفنا الصمت في حضرة المغسل .. وبدأت خطوات سريعة للغسل والتكفين والدفن .
وكانت الفرصة مواتية لحديث عن بعض ديون أبيه الواجبة السداد .. مندهشا مما سمع حاول التنصل من مسؤليته عن ذلك .. منفعلا انتحيت به جانبا موضحا له حتى أنتهي هذا الامر .
في انتظار خروج الجنازة اجتاحني التفكير بحياة هذا البائس .. حفلت حياته بالكفاح وبكل أنواع الشقاء .. أينتهي به الحال هكذا .. أهذه هي الحياة ؟ .. ما جدواها ؟.. عبث بلاقيمة .. كابوس يجثم على انفاسنا ..
طاردتني مئات الأسئلة عن الحياة .. نعم خلقنا لنعيش ونعمر الأرض .. ولكن معذبون نخلق ونعيش أكثر لمزيد من العذاب .. نحاول أن نجمل هذه الحياة التعسة .. حيث وجود نا يتساوى بالعدم .. ولكن تشي النهايات بعكس ما نتمنى دائما .. و أخيرا نستسلم لشدة سكرات الموت ..
حينما خرجنا من المكان كان بانتظاره سيارة ليموزين .. متجاهلا نظرتي المتسائلة وقف يحدق بالإفق .. في الجنازة وبعد الصلاة عليه وكما يحدث دائما .. يمر علينا شريط حياة المتوفى ..
كان شريط غريب ملئ بالمتناقضات من كل صنف ولون .. طيبة شديدة مع خبث أشد .. عجوز متصابي في أخرياته مع شباب شقي طائش .. كهولة مفرطة في البؤس .. كانت حياته مزجا لحيوات كثيرة ..
أنا الذي لم أسمع قصة حياة أبي .. كنت مرغم على سماع قصته للنهاية .. حفظتها بتكرار حكايته لي .. مللت وتحاشيت الذهاب لبيتهم احيانا ..
عاش وحيدا وسط الناس .. حياة ممتدة بلاأهل ولا أصدقاء ولا من يحنو عليه .. كطفل تعس مات أبوه ولحقته الأم بعدما تزوجت من آخر .. بقي مع زوج أمه في بؤس وحرمان .. رباه بين الذل والمهانة .. مفتقدا الحب والحنان من يومه .. صارالفقر المدقع سمة لطفولته ..
محروم من اللعب مع اقرانة .. عاش الخشونة منذ الصغر .. وجد نفسه مضطرا للإعتماد على ساعديه ..
ذات مرة فاجئني قائلا .. يا بني أنا إنسان عصامي .. صك أذني هذا التعبير لأول وهلة ولم افهم معناه .. هو غير متعلم ولكنه يفهم معاني الكلام جيدا .. وحينما استزدته ابتدرني بحكاية طويلة عن طفولته ..
بنى نفسه من لاشئ .. أصبح من أصحاب الأموال .. تزوج متأخرا من سيدة فاضلة .. لم تعش طويلا .. تركت له طفلا صغيرا .. فكان عليه أن يختار طريقة حياته مرة أخرى ..
بالرغم من حرمانه لم يتزوج بعد وفاة زوجته .. عاش له يربيه بطريقته .. كانت العلاقة بينهما غريبة جدا .. لايتدخل في اختيار الولد طالما هو من اختار ..
كبررافضا لحياة أبوه يريد بناء نفسه أيضا .. ضاقت البلدة بتطلعاته فهاجروغاب طويلا .. لم يعلم أحد عنه شيئا .. حتى ظننا جميعا انه ربما توفي ..
بعد الدفن وانتهاء العزاء بالمقابر ..ابتدرته بالحديث في أحوال الدنيا وفي علاقته بأبيه وما حدث له .. بدا برم بكل شئ و تململ أكثر من حديثي عن صداقتنا ودراسة الفلسفة والموت وما حدث كله ..
قلت مستنكرا : لماذا عدت ؟ وأيضا متأخرا وعند وفاته تقريبا كأنك كنت تعلم أنه سيموت اليوم ؟
هل كنت تحس بموته مثلا ؟ هل تذكر مرة أنني سألتك عن حكايات أبيك .. فقلت إنها حكايات مملة جدا وأنك لا تسمع ولاترغب في سماع قصة حياته .. فلماذا عدت اذن ؟ لما العجلة بالعودة ثانية هكذا ؟
بلهجة الحكيم الواثق قال الموت يا صديقي الفيلسوف معادل للحياة تماما .. وهو ليس سيئا كما نتخيله .. أستطيع أن أقول لك أن له قيمة اقتصادية كبيرة .. ويكفي أنه ألهم كثيرين للكتابة عنه .
لملم أشيائه وهم بالإنصراف .. متعللا أن لديه أعمال لايمكن تأخيرها .
لم أفهم تماما ما يقصد .. سألته بالمناسبة ما هو عملك هناك ؟
دلف للسيارة وقال بابتسامة كبيرة لامبرر لها .. عندي شركة صغيرة لتجهيز ونقل ودفن … الموتى .
لم ينتظر أي رد أو اسئلة أخري وتركني حتى بدون أن يسلم وراح يضحك بهستيرية عجيبة .