نهضت كعادتها باكرا والسكون يغمر المنزل والحي َ.. اتجهت نحو المطبخ لتعد قهوتها وتترشفها على مهل في هدأة الفجر وتطلق العنان لأفكارها لتحلق بعيدا .. تلفتت حواليها، وجدت المطبخ نظيفا، مرتبا والأواني غسلت وأعيدت إلى مكانها في عناية وقد تركتها البارحة مكدسة في الحوض بعد أن أصابها القرف من الأعباء المنزلية .. وأصبح العثور على معينة منزلية يكاد يكون أمرا مستحيلا في زمن الحجر الصحي.
إنه ابنها الأصغر يغمرها بفيض حبه ويقدم لها أجمل هدية صباحية.. ونبست شفتاها..<<.. كم هي ثمينة هديتك الصباحية أيها الابن العزيز>>
تذكرت لما كان طفلا صغيرا وهي تمسك بيده فيعبران الطريق ليذهبا سويا إلى المدرسة، المسبح البلدي أو نادي الأطفال فيحتمي بها خوفا من السيارات المسرعة والشاحنات العملاقة والدراجات النارية المجنونة.
تذكرت لماكانت تنتظره أمام باب المدرسة، تحمل عنه محفظته الثقيلة ويسلكان الطريق معا إلى المنزل مشيا على الأقدام فيروي لها تفاصيل قصصه المثيرة التي لا تنتهي مع رفاقه في المدرسة أومع المعلمة وهي تصغي بانتباه، َتتفاعل معه…يتوقفان عند ‘الحماص’ كي تشتري له الشكولاطه فيقبلها ويقول لها <يعيشك ماما>.. إنها مازالت تحس دفء هذه القبلات على وجنتيها.
تذكرت.. لما انتقلت الأسرة للسكن في المنزل الجديد وهو في الثالثة من العمر ولم تكن الحديقة مسيجة فغفلت عيناها عنه.. غادر المنزل، تاه بين أنهج الحي، انشطر قلبها نصفين ليحط أحدهما عنده.. فجأة لمحته ممسكا بيد أحد الجيران متجها نحو المنزل في طمأنينة.
تذكرت.. لما كانت كل ليلة تقاسمه الفراش، تروي له حكاية أمي سيسي أو حمراء حمراء أو تقرأ له قصة مشوقة حتى يرتخي جفناه وينام، تسوي غطاءه ثم تنسحب في هدوء على أطراف أصابعها.
واليوم… أصبح يمر بها كل ليلة ليسألها إن كانت تحتاج شيئا.. كتابا،كأس ماء، شاحنا أو ليطفئ النور…يسوي غطاءها… يعدل مخدتها وقد غلبها النعاس والكتاب بين يديها.
شعرت الأم بالفخر يملؤها وبشعاع من نور يغمرها، أقبلت على قهوتها تتمتع بمذاقها وعلى اوراقها تقلبها .
- هدية صباحية
- التعليقات