ماذا لو أننا نمتلك قوىً خارقة بكل قوانين العالم .. ماذا لو أننا نستطيع الحصول على قدرات خاصة نكسر بها قوالب هذا العالم!، ماذا لو كانت لنا هبات تأتي معنا منذ الولادة .. وتكبر وتنمو وكأنها عضو من أجسادنا. هبهات نستطيع بها إرجاع الوقت .. إيقافه .. أو حتى تقديمه.
اسمي هدية .. جئت لهذا العالم – كما قيل لي- بعد صراع طويل من انقطاع البراءة عن المنزل. بعد كل المحاولات اليائسة لملء رحم أمي .. أهداني الله لهم بنفخ روحي في رحمها. بعد سبع سنين عجاف .. أتيت أنا .. كاسرةً بصرخة ميلادي .. كلمة مستحيل.
جاعلةً منها مفردة بائسة وحقيرة .. تترفع عنها كل المفردات .. كونها كاذبة لا تعرف الصدق.
بعد صراعات العقم والتدخلات الخارجية في أخص شؤون العائلة .. أتيت أنا ضاربة كل الأفواه التي بدأت نصائحها بالتعداد بلجامٍ من طفولة. بعد محاولات كثيرة جدا باءت بالفشل عدا الأخيرة طبعا. صارع حيوانٌ منوي من أجل بويضته الحبيبة .. لأكون أنا نتاج احتضان البويضة لذاك الحيوان .. وجئت هديةً من الله كما قيل لي.
أحب كثيرًا أن أتأمل الشجر .. لأنه ببساطة قوي, عكسي.. صامد, بخلافي.. متجذر ومتين, عكسي تمامًا. ودائمًا ما أنظر للأشجار بعين مخيلتي. أرى الشجرة لها وجهي .. وضفيرتيّ .. ولكن سرعان ما أمسحها من خيالي .. لأنني أراها تضحك دائمًا عليَّ. إنها فرح اللئيمة .. ذات الوجه الشامت والعينين الناعستين الخبيثتين. منذ أن سافر والديّ .. أنا وعائشة –الخادمة التي سرعان ما عادت لدولتها- نسكن عند خالي. خالي الذي دائمًا ما يذكرني بأنني ابنته .. وزوجته التي تحبني أمامه .. وتبغضني من وراءه. كنت ليلتها أستعد للنوم بعد أن أعدت عائشة عشائي .. أحمل في رأسي سورة الإخلاص أرددها .. بعد أن علمتني أمي كيف أقرأها وأحفظها كواجبٍ منزلي لحصة القرآن الكريم. استيقظت منتصف الليل .. باردةً كقطعة ثلج .. وسريري ملآن بالبول الدافئ .. أبكي .. أريد أمي .. وجه عائشة ممتقع .. أسمع ضوضاء في الصالة .. أسأل بكلام معجون بالنعاس .. من بالصالة؟، تخبرني بأن ضيوفًا قد وصلوا للتو .. أصر بالنزول لأراهم .. أجري ورائحة البول تنفح مني .. أعدُّ من بالصالة .. واحد .. اثنان .. ثلاثة. ليس فيهم والدي .. ولا والدتي. أسأل باضطراب .. أين أمي؟!، ما من مجيب .. يدنو خالي صوبي .. : هدية .. إن والديكِ ناداهما الله عنده .. سافرا إليه .. إنهما فوق .. بجواره. بسذاجةٍ سألت: متى سيعودان؟!، وحتى الآن لم أحصل على إجابةٍ لهذا السؤال.
عندما سافرا .. كنت أبحث عنهم في كل مكان .. فوق دولاب ملابسهم .. تحت سريرهم .. بين المرتبة وخشب السرير. فوق سطح المنزل .. في موقف السيارة الذي خلا من السيارة .. بين شقوق جدران المطبخ. لم أكن أستطيع أن أجدهم .. ولهذا كان يتحتم على خالي -الذي يعدني ابنته- .. أن يحملني وعائشة -التي سرعان ما عادت لدولتها- لمنزله الذي فيه فرح -اللئيمة ذات الوجه الشامت والعينين الناعستين الخبيثتين- وزوجته -التي تحبني أمامه وتكرهني من وراءه.
عندهم .. عانيت وعائشة كثيرًا.
عندهم .. شخت سريعًا.
عندهم .. استفاق الحنين لخصوصية العائلة .. الذي نسيته منذ أن سافر والديّ.
دائما ما كنت أوجه رسائل لله .. أسأله عن أحوال عائلتي بعد أن تركوني .. راجيته أن يجيبني .. إلا أنه مثل كل مرة لا يجيبني. كنت أتمنى كثيرًا أن أستيقظ من نومي لأجد أمي قبالتي .. لأسمع أي حسٍ يوحي لي بأن والديّ قد عادا من عند الله. تمنيت كثيرًا .. وارتفع سقف أمنياتي جدًا .. جدًا. لكن لم أعد أتمنى أي شيء الآن .. لأن سقف الأمنيات قد غدا عالٍ جدا .. بينما سقف تحقيقها .. قد انهدم منذ زمن!.
كان منزل خالي يكتظ بالنساء الباكيات عصرا .. اللاتي ينظرن تجاهي بحزن. كنّ يقلن لي أنني مسكينة .. أنني يتيمة !، كنت أصرخ فيهن, أقول لهن أن أبي وأمي سيعودان, لأنهما فقط سافرا .. وحتما سيعودان, كنت غبية !، لم أكن أعلم وقتها بأن الذي يسافر لله لا يعود أبدا.
بعد انتهاء ما يسمونه (عزاء) كانت تراودني أحلام عن أبي وأمي, كنت أراهما يلبسان الأبيض, ويصعدان سلما عملاقا نحو السماء. وبعد أن وصلا للغيوم رأيت السلم يتفتت .. عندها استيقظت باكية .. تكرر الحلم كثيرا جدا حتى أيقنت وقتها أن لا عودة لغائبٍ عند الله.
كنت أنام أنا وعائشة في غرفة خادمة خالي (مريم) كانت مريم طيبة القلب. عند النوم تأتي تقبل وجنتي وتتأسف عن تجاهلها لي في النهار, أنا لا ألومها .. لأن خالتي تجبرها.
كانت تكفيني عائشة جدا. حتى بدأت خالتي بمهامها في التنفير. بعد أسبوع من الشتائم والضرب والرفس في الخاصرة والأوامر والطلبات التي لن يستطيع أي بشرٍ أن يتحملها. ضاق الحال بعائشة حتى بكت تحت قدمي خالي ليعيدها لبلدها إندونيسيا. وبقيت وحدي منبوذة .. مثل رِجلِ الكرسي. لا صوت لي ولا وجود.
على مدى ثلاث سنوات, قضيت حياتي منبوذة. لم أكن أستطيع الاندماج, لا مع فرح اللئيمة ولا مع صديقاتها. كنت ما إن تزورها الصديقات, أتكور في حضني وتحت ملاءتي. لم أكن أستطيع أن أكون المهرج الخاص بهن, لم أستطع تحمل ضحكاتهن على مواقف اخترعتها فرح اللئيمة من خيالها وألصقتها بي. كنت أصلي لله بأن يأخذني لأمي وأبي .. أن يكرمني ربي برؤيتهما .. لا حياة لي هنا .. أنا عالقة في زنزانة حب خالي .. وهاربة من كره فرح وأمها .. الحيرة تشتعل في قلبي .. هل الحب يقف في وجه كرهٍ مضاعف؟!، أم أنني خائفة من فكرة الهروب ..
سأقفز أمام شاحنة القمامة .. حتمًا لن يراني السائق في هذا الليل الحالك. يتملكني الخوف .. لكنني أرى وجه أمي وأبي .. حتمًا لن يبعدني الله عنهما مجددًا. إن كان الموت هو الوسيلة الوحيدة للسفر لله .. إذًا سأموت اليوم. والله الغفور .. الله الرحيم .. سيتفهم أن الحياة هنا مستحيلة ومتعثرة .. وأن المناخ ليس سليمًا لي.
إنها الساعة الثانية بعد منتصف الليل .. ولقد تجهزت نفسيًا له. رتبت سريري .. ولملمت أغراضي في كيسٍ كبير ورميت الكيس في القمامة الخارجية. سأودعهم برسالة .. وسأذهب إلى الله.

أضف تعليقاً