أفقت على قشعريرة لذيذة، تدغدغ خلايا جسدي كأنها خمرة معتقة تجري في عروقي، كأنني صحوت لتوي من لعنة نوم ثقيل، دون أن أدري، أين ومتى غفوت؟..وطفقت أتطلع حولي حائرا ، عينان تمسحان القاعة مسحا، وتتفحصان كل الزوايا والأركان بإمعان بحثا عن أثر أنفذ منه للربط بين خيوط تلك اللحظة، وخيوط اللحظات التي ما قبلها، دون جدوى…
الرؤية ضبابية، بشكل مثير، تجعل المكان يبدو شديد القتامة والغرابة برمته.
تساءلت بذعر، مكتوم الأنفاس،ما هذا المكان؟ أين أنا؟ وما الذي جاء بي إلى هنا؟
حاولت أن أحافظ على تماسك أعصابي ما استطعت ،درءا للفت الأنظار، وإثارة الانتباه.
أكره أن تستدير عيون الفضوليين نحوي. أشمئز من تلك النظرات المقيتة التي يرمقني بها الغرباء، كلما خالطت مكانا لا أعرف فيه أحدا.
حانت نظرة مني إلى الطاولة أمامي….فنجان قهوة سوداء كما أشربها، مرفوقة بكوب ماء من الحجم الكبير،كما أحب أن يكون…لكن متى أحضر النادل هذه الطلبية؟ ومن طلب منه ذلك؟ أم تراها مجرد عباسية ؟ لا، هذا مستحيل…العباسية، للزبائن الأوفياء..وأنا لا يمكن أن أكون واحدا منهم….أنا مجرد عابر سبيل لا يدري، كيف علق بهذا المكان؟!
وماذا عن علبة السجائر هاته؟ أليست هي نفسها، النوع الذي أستعمله؟
وهذه الولاعة اللعينة؟ والملصق الثابت على هيكلها، مطبوع عليه صورة نسر بعين واحدة، لن تضيع مني مهما حصل، وأستطيع تمييزها وسط مئات الولاعات من مثيلاتها..كل ما كان على الطاولة بالمجمل يمثلني، جزء مني حتى..لكن كيف ذلك؟ لا زلت بعد أجهل السبب؟!
هدوء….هدوء….
هكذا واسيت نفسي، أطالبها بقليل من الهدوء ،حتى أستوعب هذا الخيال المعجز،
كنت أقبع وحيدا، جالسا إلى منضدة في أقصى ركن بقاعة مكسوة جدرانها بالرخام الأبيض، مزينة بلوحات معلقة بإتقان، عليها صور لأجساد نسائية ورجالية في أوضاع مختلفة. وعلى صدر الجدار الأمامي، يتربع إطار كبير الحجم يحمل صورة بالألوان لصاحب الزمان. مناضدها من خشب صقيل، والكراسي فاخرة، والرواد.. هندامهم الفاخر وأناقتهم المبالغ فيها، وروائح عطورهم الغالية، التي يعبق بها جو المكان، كل شيء فيهم، يشي بأنهم أشخاص من علية الناس وسادة القوم.
وحدي،النشاز وسط هذا المحيط المتناغم..! هاجمتني علامات استفهام كبيرة، ونالت مني سهام الحيرة… وأمام عجزي عن إدراك السر وراء ما يجري، رفعت أكف الضراعة إلى الله أن يلهمني نعمة التذكر، لأفك هذا اللغز المطلسم. لكن ما تبدى لي وأنا أرفع بصري الى السقف، كان شيئا محيرا للغاية! كان المبنى مفتوحا على الفضاء، والسماء تبدو شديدة الزرقة، والدخان المنبعث من السجائر المحترقة بين الأصابع المتصلبة، يشكل أعمدة تتراقص بجنون قبل أن يبتلعها المدى وتتلاشى…كيف لمقهى فاخر كهذا أن يكون بدون سقف؟
جلت ببصري أتفرس ملامح الجالسين، عسى أن أعثر بينهم على شخص أعرفه، قد ينتشلني من هذه الحيرة المدمرة ، لكن ما زاد دهشتي وألهب جزعي ، أن تلك الوجوه كانت واجمة… بل أكثر من ذلك كانت جامدة لا تتحرك ولا ترف لها جفون، وتبدو محدقة في الفراغ، كأنها مصوبة ناحية الصورة المتربعة على صدر الجدار الأمامي للقاعة من الداخل. لفني الرعب والغموض من كل حدب وصوب.
أيقنت أنني في خطر داهم، ما لم أتصرف بحكمة.
بعد لحظات من التفكير، قررت أن أسأل النادل، وأردت الوقوف لأقترب من الدكة أكثر، وحينئذ اكتشفت أني مجرد تمثال، والنادل هو الآخر، تمثال مثبت خلف الدكة الإسمنتية، الجالسون كلهم تماثيل!
…يا الهي!..ما هذا بحق السماء؟
من أنا؟ وما علاقتي بهذه التماثيل؟ كيف أصبحت دون علم مني، واحدا منهم؟
ترى أتراودهم نفس الهواجس التي تراودني؟ هل يشعرون ويتفكرون مثلما أشعر وأفكر؟
اكتسحني سيل من المشاعر المتضاربة، ألم وأمل..خوف وثبات…شك ويقين…اندفاع وتردد ..شجاعة وتخاذل…رغبة في الصراخ والصياح…
وأنا منشغل بحيرتي، اهتزت الأرض هزة عنيفة وكأني به زلزال مدمر يضرب المكان في تلك اللحظة..
تموجت الجدران، وانهارت بصورة هلامية مفرجة عن دوي، ضج له المكان وصم الآذان وانغلقت له العيون كآلية بئيسة لتفادي الانشطار والانطمار تحت الأنقاض حاملا معه أسرار ذلك اللغز إلى قبره، وشيئا فشيئا وبشكل مثير للذهول، بدأ كون يتشكل، على أنقاض كون يختفي، وإذا بالجدران تفر وتصير سياجا يحوط بستانا، نعم بستانا أعرفه ركنا بركن ، إنه المكان الذي اشتغلت به منذ نعومة أظافري، يا إلهي اللوحات المعلقة صارت بشرا، عرفت فيهم زملائي في العمل، رجال ونساء تلتهم الحيرة ما تبقى من أجسادهم التي نخرها الهزال وهدها الكد في سبيل لقمة حلال.
رفعت بصري، لأرى ما إذا كانت صورة صاحب الزمان لا تزال هناك بعد اختفاء الجدران، وكاد يغمى علي من جديد حين رأيت الصورة تقترب مني والإطار يلازمها، أغلقت عيناي من شدة الهول، وتحت وطأة الذهول عاودت فتحهما، فوجدت أن ما رأيته كان وهما وأن القادم هو صاحب البستان دون إطار.
حتوت على رفشي والتحقت بالعمال المنصرفين للعمل وخلفي تتراقص أذيال من خجل.
آليت على نفسي منذئذ، ألا أعود للنوم مرة أخرى، تحت الشمس فترة الظهيرة.

أضف تعليقاً