• السلام عليكم..
    وجلس على المقعد المزدوج خلف السائق مباشرة جهة النافذة، واضعاً كتبه على فخذيه.. وكما جرت العادة فإن أحدا لم يُرد له السلام.. فالسائق مشغول في تنظيف أنفه، أما المعاون فيبدو أن عملية قضمه لأظافره، أحدثت في دهاليز أذنيه ضجة، حالت دون سماع التحية.
    لا ضير، فقد اعتاد على مثل هذا الأمر، لكثرة ما تعرض ويتعرض له في حياته اليومية، وكان أخيرها وهو الواثق بأنه ليس آخرها، عندما قذف بنفسه خارج المنزل وبلهفة الابن المحب، المتألم، الرافض لشتى أنواع العطف والتعاطف، وككرة الثلج المتدحرجة، كلما أكد ابتعاده عنها كبرت فيه واتضحت.
    انطلق كرمية بلا رام، بغية إحضار علبة دواء الربو لأمه التي سقطت أمامه فاتحة الذراعين، مهللة لاستقبال ملك الموت.
  • ولج الصيدلية .. ألقى التحية وكما هي الحال، لم يلق رداً.. فالصيدلاني الناطق الوحيد في المكان، كان منهمكاً في عد الأوراق النقدية و ترتيبها.
    التفت يمنة فرأى هيئته على لوح زجاج دخاني، لعل هندامي السبب في تجاهل الصيدلاني لي، ربما يعتقدني مشرد متسول متعاطي هز رأسه مرددا – (ليس).
    دائم الوقوع فيما يخشاه، و هذه من أبرز مزاياه، تأدب وتحلّم في حين كانت في كل قطرة من دمه ثورة، وفي كل خلية من جسده انتفاضة، لكنه جاء مستجدياً، ولم ينس ولن ينسى، خلو جيوبه منذ سنين، وخلو البيت منذ أيام، من المال.
    راح يتأمل أفعى تلتف حول كأس الحياة. كثيرة هي الأشياء التي نراها وباستمرار، في حياتنا اليومية بلا بصيرة، أمعن بها – من السم الدواء ….
    وما يزال الصيدلاني المداوي مغرقاً في إلغاءه، عادت به الذاكرة إلى المقابلات الشفهية والوقوف أمام اللجان الكثيرة جراء تقديمه على وظائف ومسابقات عامة وخاصة كلفت أضابيرها الباهظ والثمين ولم يستطع أن يشغل أي ثقب في أية دائرة أو جدار.
    أقفل صاحب النظارة والمريول الأبيض الصندوق وباقتضاب قال:
  • نعم.
  • فأجابه: لو سمحت أريد بخاخا للربو.
  • رد الصيدلاني (سعره كذا….ل.س)
    . تصنّع هرموش البحث – الجيب الأمامي – اليساري – وبذهول الخلفي، لابد وأني أضعتها في جريي، لا بأس دعني أوصلها، ومن ثم أعود بالمبلغ، نحن جيران البيت قريب و تبسم بثقة
    كان الصيدلاني قد أحضرها وراح يودعها في كيس صغير، إلا أنه وما إن أنتهى هرموش من كلامه، حتى أخرجها من الكيس وأعادها إلى الرف.في اللحظة التي دخل فيها رجل بدين طالبا علبة للحبة الزرقاء وأخرى لمنع الحمل تاركا رزمة مالية متلقفا بضاعته ،وغادر على عجل.

أضف تعليقاً